|
|
![]() |
![]() |
|
|
|
سوق الأفكار لؤي قاسم عباس
ليس في الأمر دعابة، فهو سوق ٌ اعتيادي ليس فيه ما يميزه عن بقية الأسواق . ولا يختلف عن أي سوق عصري من حيث الشكل إلا انه يختلف عن بقية الأسواق من حيث المضمون فالسلعة التي يتم تداولها في هذا السوق هي " الفكرة " . ولأن الفكرة ليست شيئاً مادي ٌ فقد قام صاحب السوق (السيد حسيب) بتحويلها الى مادة قابلة للبيع والشراء . حين تلج السوق يصبح بمقدورك أن تقتني فكرة أو فكرتين في أي مجال شئت . (السيد حسيب) هو المالك الحقيقي للسوق ، بينما يعتبر (السيد نزار) ، ساعده الأيمن ، و إليه يعود الفضل في أقامة هذا السوق بسبب اهتمامه المتواصل في البحث العلمي في مجال الكهرومغناطيسية فلقد قام السيد نزار بتحويل تلك الموجات الصادرة من الدماغ إلى موجات كهرومغناطيسية قابلة للتحوِّل الى أجسام مادية وذلك بعد مرورها برقائق معدنية في غاية الحساسية - يرفض (السيد نزار) أن يبوح بأسمها لأي شخص بما فيهم صديقه الوحيد (السيد حسيب) - وعمل هذه الرقائق هو خزن المعلومات على شكل قرص مدمج ، وبعد ذلك يتم معالجتها بالمواد الكيميائية حيث تكثف إلى سائل يختلف من حيث اللون والطعم باختلاف الفكرة . بعدها يتم تعبئتها في قناني زجاجية أنيقة تعرف بـ (خلاصة الفكرة) وتعرض كسلعة في (السوق السيد حسيب لبيع الأفكار) .
السوق مساحته ثمانمائة متر (40 × 20) و يتكون من ثلاث طوابق وقبل الدخول إلى السوق يجذب انتباهك الإعلان الضوئي الذي في واجهة السوق والذي يبلغ ارتفاعه حوالي أربعة أمتار وعرضه ستة أمتار ، وفي وسطه ِحلقات مستديرة تضيق عند المركز وتزداد اتساعاً عند الأطراف لكل حلقة لون حتى تشعر بأنه ليس هناك لون دون أن يكون له مكان في هذه اليافطة إلا اللون الأبيض حيث تركه (مصمم الإعلان) ليقتطع تلك الحلقات بعبارة كتبت بالخط الكوفي (سوق الأفكار) . في الركن العلوي الأيمن من الإعلان ، صورة (السيد حسيب) وقد اطرق يفكر واضعاً وسطاه وسبابته عند موضع رأسه ، وفي الركن السفلي الأيمن من اليافطة كتبت عبارة بارزة تثير الاهتمام (لا تجهد نفسك في التفكير، فنحن ُ نفكر لك) . وفي الجانب الآخر من الإعلان ، صورة ( السيد نزار) وهو جالس يترنح فوق كرسيه الهزاز ، وفي الأسفل منه عبارة (عش حياتك ، ودع التفكير لنا) . السوق مكسيٌ بالمرمر والرخام الإيطالي عدا السقوف الثانوية فإنها من الطراز الاندلسي ، حين تضع قدميك على العتبة الأولى من السوق تجد احد العاملين يستقبلك بابتسامة مصطنعة وهو يلُّوح بقبعته تحية للقادمين ، بأمكان أي إنسان إن يدخل السوق حتى وان كان ذلك من أجل ان يتسلى بمنظر الأفكار وهي تطرح على الرفوف بانتظار من يحررها من سجنها ويطلق لها العنان لتسبح على ارض الواقع . ويؤكد البعض ممن حضر السوق بأنه سمع أنين الأفكار ونظر إليها وهي تذرف دمعا لمصيرها في هذا السجن الضيق . (السيد حسيب) يصف الفكرة: " بأنها كائن حي ينموا وينموا مثل أي كائن حي آخر، وان لها عمرٌ افتراضي او ما يعرف بمدة الصلاحية فبعض الأفكار لا تستطيع العيش أكثر من شهر واحد وبعضها يعمر ويمكن لها ان تنتقل من جيل الى جيل ، مثل هذه الفكرة يصفها (السيد حسيب) بان لها عمر السلحفاة ، ان المشكلة تكمن في الأفكار التي تزول بعد فترة قصيرة فهي تسبب خسائر جسيمة ل(لسيد حسيب) لذلك يسعى جاهداً بالترويج لهذه الأفكار ذات الصلاحية القريبة من اجل التخلص منها قبل إن تموت في داخل القناني التي تكاد تخنقها " . حين تدخل الى السوق من الجانب الأيمن تجد سلالم ترتفع بك إلى الطابق العلوي وهو مخصص لبيع الأفكار العلمية ، ويعتبر الدكتور نبيه ، الأستاذ في قسم الرياضيات ، من أهم رواد هذا المكان وان أهم ما يميزه هو مظهره الخارجي فهو يبدو وكأنه مصوراً فوتوغرافياً وليس أستاذ جامعي فهو يحمل خلف ظهره حقيبة كبيرة فيها العديد من المراجع العلمية، ولحيته البيضاء تتدلى عند صدره وشعره الطويل يسرح فوق كتفه. الدكتور نبيه والمتخصص في علم البديهيات يسعى لشراء كل غريب ومثير في علم الرياضيات ، فلقد قام بشراء فكرة مفادها بأن الصفر العربي والذي يشبه الحلقة المستديرة اكبر من الصفر الهندي لأنهُ يشبه النقطة . ورغم سعيه الجاد في إقناع طلبتهِ إلا انه لم يستطيع أن يقنع احداً . السيد حسيب اعترف ذات يوم بأنه استلب هذه الأفكار من أحد المجانين مقابل (سندويج فلافل)، وان بقية أفكار هذا المجنون قد اشتراها الدكتور نبيه ايضاً بعد ان دفع مبلغاً ضخماً الى السيد نزار فقام بتحويلها الى سائل . ومن تلك الأفكار التي اشتراها فكرةُ مفادها (إن المستقيم ليس اقصر الطرق) ، أما الفكرة التي كانت بمثابة (القِشَّه التي قصمت ظهر البعير) فهي التي تقول : بأن مجموع زوايا المثلث لا تساوي دوماً (180ْ) ، بل قد تساوي (360) وقد حضر عدد كبير من العلماء من كل بقاع الكون لاختبار نظريته الجديدة التي تتحض تلك البديهية فما كان من الدكتور نبيه الا أن قام بكسر احد أضلاع المثلث . حينها آمن الجميع بأنه مجنون ، أما هو فكان يشعر بأنه عبقري . كان السيد نبيه يأمل في ان يحصل على جائزة عالمية لكن قرار بطرده من وظيفته هو الذي ناله من تجربته العلمية هذه ، ومنذ ذلك اليوم والدكتور نبيه يتجول في أروقة السوق بحثاً عن فكرة تعيد إليه هيبته ومكانته العلمية كأستاذ جامعي محترم . هذا بالنسبة للقسم العلوي ، أما اذا اتجهت إلى جهة الشمال من السوق فستجد سلالم تنزل بك إلى الطابق السفلي حيث تباع الأفكار الأدبية وهنا تجد العديد من الشعراء والأدباء وهم يضطجعون فوق " الكرسي الهزاز " وهم يشربون نخب أفكارهم الجديدة ويتذوقون طعم أبياتهم من خلال كأس يحتوي " عصير الأفكار " . اما الطابق الوسطي فهو مكتظ دوماً بالزائرين، والذين يعرضون أفكارهم عند (السيد حسيب) وصديقه (السيد نزار) . وهم على العموم من ذوي الدخل المحدود والذين لم تسنح لهم الفرصة في تنفيذ ما يدور برؤسهم من أفكار ، احدهم باع فكرته بعشرة آلاف دينار فقط، وعاد إلى بيته ورأسه خال ٍ من التفكير تماماً ، ولكن يداه محملتان بطبقة بيض وكيس طماطم و"كروز سكائر" (بن) ، ولكنه مع ذلك كان سعيداً جداً فلقد تخلص من فكرة لا تسمن ولا تغني من جوع ، كانت تؤرقه ليلاً ونهاراً وليس هناك أمل في تنفيذها ذات يوم . لذلك فهو يدعوا لـ (لسيد حسيب) بطول العمر لأنه بادر بفتح هكذا مشروع عظيم لخدمة الفقراء والمعوزين حيث تخلص من فكرة جاثمة على عقله وعاد منها بنفع على لعائلته ، وهو الآن يفكر بجدية بالبحث عن فكرة جديدة لبيعها في (سوق السيد حسيب) في حقيقة الأمر ان ما يجري بداخل السوق من استغلال بشع وسرقة واضحة للأفكار بسبب الاحتكار الذي يمارسه السيد حسيب وعدم وجود منافس له في السوق فهو المنتج والمصنِّع الوحيد لهذا النوع من السلع ، ولعل ما تعرض له العم حمادي حين ذهب يبيع فكرة واحدة من جملة الأفكار التي في رأسه . ولكنه حين عاد الى عمله وجد أن رأسه يخلوا من الأفكار تماماً وان(السيد حسيب) قد افرغ أكثر من عشرين فكرة بذلك الوعاء ولم يمنحه سوى ثمن فكرة واحدة ، عاد " العم حمادي " الى (السيد حسيب) يتوسل إليه ان يعيد إليه فكرة واحدة والتي تخص بناء بيت له ، فهذه الفكرة كانت تعشعش في ذهنه منذ أربعين عاماً وانهُ أدمنها فصارت جزءاً لا يتجزأ منه وأنه قد اعتاد ان لا يغمض له جفن قبل أن يدور في أرجاء البيت الذي يدخله من خلال فكره . لكن السيد حسيب رفض إعادة الفكرة بحجة ... قائلاً :- ان الأفكار لا تتجزأ ... لكن العم حمادي تأكد بأن أفكاره قد تم تقسيمها حين تجوّل في أروقة السوق فوجد أفكاره في داخل قناني زجاجية ، فهو يعرفها جيداً . من اغرب الصفقات التي جرت في داخل هذا السوق حين باع معتوه ما في رأسه مقابل أن يسد رمق أطفاله وبعد ان تم فحصه تبين بأن رأسه يخلو من أي فكرة تماماً ، فما أن يضع رأسه على الأرض حتى يغط في نومٍ عميق ولا يستيقظ الا بعد ان تحرق الشمس قفاه . لقد طار السيد نزار فرحاً لهذا الرأس الذي يخلوا من الفكر وقام بتحويل ذبذبات الرأس إلى فكرة مفادها (كيف تعيش بلا تفكير) وحين عرضت في المزاد العلني اشتراها احد الأغنياء بمبلغ مليون دولار ، لكن هذا الملياردير اشهر إفلاسه بعد أسبوع واحد من شراءه لهذه الفكرة ، ولكنه رغم ذلك يشعر بسعادة غامرة لأنه ينام الآن ملآ جفونه عن شواردها . لقد قام عدد من زبائن السوق بدور الوسيط في إقناع عدد من الأشخاص مقابل عمولة من الطرفين ويبدو ان هناك مضاربات وسوق سوداء تجري خارج السوق لغرض الحصول على العمولة التي تكاد تكون ثابتة وهي 5% من الطرفين البائع والمشتري . في آخر جلسة للسيد حسيب مع السيد نزار قال له:- علينا ان نفكر بجدية للرحيل من هنا إلى مدينة أخرى فلقد اشترينا كل الأفكار ولم يعد هنا في هذه المدينة رأس واحد فيه ذرة من التفكير ...
|
|
| |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
© حقوق الطبع والنشر محفوظة لموقع بنت الرافدين Copyright © 2000 bentalrafedain web site. All rights reserved. info@bentalrafedain.com | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||