مقالات  

 

خواطر قارئ مغترب..عن مجموعة كوابيس المنفى

 

 د. لميس كاظم

 Jan 6, 2005

 

أطل علينا من جديد القاص والكاتب العراقي د.زهير شليبه بكوابيسه عن المنفى التي إتخذها عنوانا لمجموعته القصصية الجديدة الرائعة سماها كوابيس المنفى.
تحتوي هذه المجموعة على ثلاث عشرة قصة قصيرة تتخذ شكل الرؤيا-الكابوس مما أعطى الكاتب فرصة كبيرة للمزيد من التداعيات والإنتقالات وتغير الأزمنة والأمكنة.
لدى مطالعتي قصص المجموعة مثل "ذاكرة البحر"، "مدرسة السياقة"، "موعد ترجمة" و"اللقاء والموت" وغيرها، شدّتني إليها بقوة اللغة التعبيرية الممتعة.
تميزت معظم القصص ببناء واسلوب درامي شفاف ينقل القارى بنعومة وهدوء إلى احداث القصة بدون ملل أوضجر.
أعتقد أن صفاء الأسلوب وكثافة النص المتميز بجمل قصيرة مركزة واضحة التعبير أضفى مسحة جمالية ناعمة لنتاج زهير شليبة الأدبي.
إن خيارات القاص لموضوعات القصص كانت من صميم واقع المهجر، وحتى ابطال القصص كانوا في معظم الأحيان من تلك البلدان التي أقم فيها الكاتب مماسهل عليه التعامل معها ونسج قصصها بواقعية متجنبا المباشرة والمبالغة في كتابة النص، وأستطيع ان اقول إنه وُفّقَ في ذلك.
يلاحظ القاريء أن الكاتب وصف الشخصيات ودخل في أعماقها من خلال إستخدام نصوص وعبارات ومفردات تتداخل فيها العامية والامثال الشعبية ساهمت في فهم تركيبة الشخصية بسهولة.
لا بد من الإشارة إلى أن ثقافة الكاتب مهمة في بناء نصه الأدبي وإثرائه، فقد تميّزَ زهير شليبة بالتنوع المعرفي وإطلاعه على عدد من الثقافات العرقية المختلفة التي عاشها وكذلك كونه يجيد عدة لغات أجنبية (بسب فترة الثلاثين سنة التي قضاها في المنفى) مما أضاف لرصيده الأدبي كنوزاً أخرى يستخدمها احيانا كأدوات مهمة تكمل الوصف التعبيري بأنسيابية جميلة تؤثر إيجابا على قيمة النص. اشير هنا على سبيل المثل لا الحصر إستخدام الكاتب عبارات وجمل أجنبية روسية ودنماركية في نصوصة ليس من باب الأستعراض المعرفي بل لتعريف القارى على عادات وتقاليد البلد الذي اختار القصص ولكي يتميز أبطالها بالحيوية.
ويمكن هنا الإشارة ايضا إلى قصة "موعد ترجمة" التي تضمنت احدى حوارا كاملا باللهجة المغربية بحيث يسترسل القارئ معه بدون إنقطاع. هذا لايعني بالضرورة أن الأديب يجب أن يجيد عدة لغات أو يعيش عدة مجتمعات أجنبية كي ينتجَ قصة جميلة، إلا أن القاص زهير شليبه عاش في الخارج واكمل تعليمه الجامعي ونال الدكتوراه مدافعا عن أطروحته عن الروائي العراقي غائب طعمه فرمان في موسكو وعمل استاذا جامعيا في شمال افريقيا ودرس وعمل في مجال العلاقة مع الجاليات الأجنبية في الدنمارك مما ساعده على رصد الظواهر والمشاكل الأجتماعية والأخلاقية لتلك المجتمعات.
إن قصص "كوابيس المنفى"، التي تبدو في قسم منها أحلاما رومانسية تعالج جزءا من الأمراض والحالات الأجتماعية التي تواجة المغترب في بلدان لم يعتَدْ على عاداتهم وتقاليدهم.
إن النظام القمعي الذي حكم العراق لأكثر من ثلاث عقود أدّى إلى هجرة أكثر من ثلاثة ملايين عراقي أستقروا في الشتات وأسسو جاليات عراقية كبيرة وولدت أجيال في المنفى لذا بات من الضروري الكتابة عن تلك الشرائح الأجتماعية وتعريف القارئ العراقي بهم حتى تتوضح الصورة للقراء وتؤكد على حقيقة مشاكل المنفى، التي لا تختلف عن مستوى هموم داخل البلد، بل احيانأ اكثر.
لقد شعرت كقاريء عراقي لا ازال اعيش حالة المنفى منذ أكثر من عقدين، أنني أمام نصوص تتحدث عن المنفى ليطل علينا من نوافذ من داخل بنية النص بجمل شديدة التركيز يعبر فيها القاص عن الحنين والشوق الهائج للماضي الجميل أذ ينقلنا بومضات قصيرة عائدا بنا للزمن الشفاف الذي دُمّرَ حيث تتداخل الأجواء بين الذكريات والشوق العارم للعراق والحقد الدفين على المنفى وكم هو مقيت.
ولا بد من القول مختتما إنطباعاتي إن معالجة القاص لموضوعات نصوصه اتسمت بالواقعية وترك الحلول مفتوحة أمام القارئ وعدم اجهاص النص بحلول جاهزة قد تربك القارئ وتفقد النص حيويته.
في الختام أود أن اعبر عن أمتناني للمبدع زهير شليبة على هذه المجموعة القصصية المختلفة في محتواها والمنسجمة في بناءها أملا المزيد من الأبداع المعبر عن مشاكل وأشكالات المنفى لكي نستطيع ان يقترب من مفهوم أدب المنفى.

 

 

  

 

 

 

 

 

Google


    في بنت الرافدينفي الويب


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

© حقوق الطبع و النشر محفوظة لموقع بنت الرافدين
Copyright © 2000 bentalrafedain web site. All rights reserved.
  info@bentalrafedain.com