|
|
![]() |
![]() |
|
|
|
نزيل في الشعبة الخامسة محمد السعدي الاهداء .......
الى زنابق الرافدين – شهداء الحركة الشيوعية العراقية
زنزانة رقم 3
للذاكرة مساحات تتسع لحجم الحدث وقوته وهناك ثمة بشر ذاقو ا طعم المرارة والخيبة في هذا المكان المخيف لكنهم لم يميطوا اللثام عن أفواههم للكشف ولو عن جزء بسيط من تفاصيله ولاحتى عن أركان بنائه وشخوصه ومهرجانات الدم والموت فيه . وثمة بشر أخرون أنجرفوا مع مياه المستنقع نحو مياه نهر دجلة , فضاعوا تحت أمواجه .وضاعت معهم ذكريات المكان وألام المشهد المرعب ... انها الشعبة الخامسة – الاستخبارات العسكرية العامة – وأنا احد الناجين بل ممن كتب لهم التاريخ فرصة الانقاذ بأعجوبة بل في غفلة تاريخية من الزمن القاتل , لكن ذاكرتي مازالت تختزن بتفاصيل تلك اللحظات و المشاهد المرعبة التي شهدتها في ذلك المكان الكارثي , المقتطع من الجحيم وما جرى لنا فيه من مشاهد محزنة واوقات مرعبة من الموت البطئ , أسعى مستذكرا لحظاتها لتدوينها عبر هذه الصفحات المنسية في الذاكرة العراقية التي يحاولون تعطيلها بل نسفها من الاساس لتكن في طي المنسيات , ولم تشهد الحياة السياسية في العراق من تجروء للبوح بالمكان وظروفه واساليب التعذيب فيه , سأدلوا بشهادتي لتكن محفزا للاخرين عن زمن غادر وتاريخ مظلم مغلف بالخوف والظلم والمعاناة لابناء العراق . عمر ايضا مر بهذا المستنقع مقابل تهمة ترويج وترديد النكات على النظام وقادسيته ونتاجا لذلك فقد لاقى تعذيبا شديدا واربعون يوما في هذا المكان المسكون برائحة الموت , ورغم انه كان ضمن الجهاز الحزبي البعثي ومؤسسات النظام وبكل بساطة هذا هو ماقد جرى لعمر فكيف سيكون الامر معي وبأي وسائل جديدة من التعذيب سألقاه ... منذ سنوات مضت بالحسرة كنت احد نزلاء هذا المبنى المطل على نهر دجلة والمتداخل مع ظلال اشجار الحمضيات والفواكة يوحي من النظرة الاولى للمرء عبارة عن متنزه أمن للعشاق , اما في داخله فمسالخ بشرية للمعتقلين السياسين الذين يناضلون في سبيل الحرية وتوفير الخبز لابناء شعبهم المضطهد . 87 يوما قضيتها في هذا المبنى في صراع مع وحوش بشرية للحفاظ على المبادي والقيم الانسانية... للحفاظ على الانتماء لحزب سياسي معارض لمشروع السلطة في العراق ونحمل مشروعا لوطن ديمقراطي ..... ولسنوات طويلة مضت عملت ضمن تنظيمات الداخل (العمل السري) وتحديدا خلال الفترة الزمنية ما بين 1980 -1983في العاصمة بغداد وأروقة كلياتها ضمن تنظيم منظمة الصدى بعد ان انقطعت الخيوط الحزبية في التنظيم السابق في محافظة ديالى - قرية الهويدر- . منظمة الصدى تأسست بعد عام 1979 على انقاض تحطم تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي في عموم العراق على أثر الضربة الموجعة التي وجهت الى التنظيم من قبل الحزب الحاكم بعمل غادر بعد عرس دام خمس سنوات تخللته تناقضات وصراعات حادة في المواقف من القضايا الاقليمية والدولية نتج عنها فراق ابدي . ضمت المنظمة العديد من العناصر الشابة والمتحمسة لرد اعتبار الحزب بعد الهزيمة التي مني بها , ( صدر حديثا للرفيق مام صالح وكانت له وقفة مع منظمة الصدى , كتابه بعنوان- وه ك خوي- وتعني بالعربية كما كان أو مثلما حدث) . يقول مام صالح في طي صفحات كتابه ( يخبره في يوم من الايام الرفيق أشتي الطالباني بأن له خط تنظيمي واسع باسم الصدى ويتألف من مدينة بغداد وكركوك والسليمانية ومدن جنوبية وبالاخص في المدارس وجامعة بغداد والمعهد التكنيكي في كركوك , ويعلم بذلك الرفيق عمر علي الشيخ ( ابو فاروق )عضو المكتب السياسي للحزب , وقبل سفره الى موسكو يبلغ مام صالح الرفيق بهاء الدين نوري عضو اللجنة المركزية بنشاطات الرفيق أشتي ( الصدى ) وبين فترة وفترة كان يرسل رسائل حول النشاطات. في سوريا التقيت بأحد أبناء أخوال أشتي وبلغني تحياته وقال بأن أشتي يقول , أن تنظيمنا قد توسع وانا من ناحيتي أفهم قصد أشتي . ودارت الايام والتقيت بالرفيق أشتي في بيت عبدالله الملا فرج ( مام علي ) في نوكان .ترتبط المنظمة مركزيا بتنظيم محلية كركوك من خلال كادرها ( أشتي شيخ عطا كان لها صوت مسموع في عموم العراق من خلال نشاط اعضائها الذين تميزوا بالجرأة والاقدام وكان نشاطها ملحوظ في الوسط الطلابي وكنت من العناصر المكشوفة في كلية الاداب _ جامعة بغداد وعضو بارز وفعال في شحذ الطاقات الجديدة الى كردستان وخصوصا من يصعب بقاءه في الداخل ومقطوعي الصلة الحزبية. وخلال فترة تم الاتصال بمجموعة من الناس وايصالهم الى المناطق المحررة في كردستان حيث كنا على اتصال مباشر بتطورات الاحداث هناك .من بين هذه الأسماء 1_ فهد عبد الجبار عبود من اهالي الكاظمية استشهد في كردستان عام 1984 في منطقة باني شهر. 2_ طالب عبود جميل من اهالي قرية الهويدر ( علي عه رب ) استشهد عام 1988 في اخر انفال حكومي في منطقة كرميان . 3 _ وحيد عبد الرحمن دبش من اهالي الحرية في بغداد مقيم في السويد . 4 _ خضر عبد الرزاق جعفر من اهالي قرية الهويدر مقيم في السويد . 5 _ عبد الزهرة عباس من اهالي قرية الهويدر مقيم في المانيا . وهناك اخرين لم تعد الذاكرة تسعفني لايراد اسمائهم.. واخرين لم يسمح الظرف بالمرور عليهم لدواعي أمنية . كنت مرتبطا بشبكة من العلاقات على مستوى أساتذة جامعة واعلام ادبية وشخصيات فكرية للتبادل في وجهات النظر حول مجمل قضايا تطورات البلد من خلال تزويدهم بالادبيات الحزبية التي تخص الساحة السياسية وخصوصا الساحة الكردستانية , كما عملت ايضا في مدن عديدة منها الكاظمية ’ الشعلة ’ الحرية ومدن كردستان وأرياف محافظة ديالى ... وحين تطلب الموقف لم اتخل عن أداء الواجب الحزبي في حمل السلاح لسنوات طويلة في كردستان ضد النظام العراقي من اجل اقامة وطن ديمقراطي وحكم ذاتي لكردستان . كانت تجربة كبيرة وثمينة اعطتني اكثر مما اخذت مني . كانت تجربة فخر واعتزاز في مسيرة حياتي رغم كل مااعترتها من اخفاقات لم توقف مسيرتها النضالية وهناك من تجرأ ولم يلبي نداء المسيرة النضالية ضد اعدائها الطبقيين بالتقليل من اهميتها الوطنية والكفاحية ’ بل ذهب بهم الخوف والتردد باعتبارها حركة تستهدف الجنود العائدين من جبهات القتال مع ايران أو ممن عادوا في اجازة الى أهاليهم من وحداتهم العسكرية لافراغ التجربة من محتواها النضالي والفكري تحت منطلقات فكرية فارغة ... مازالت تلك التجربه وستبقى وساما في صدور المناضلين ممن خاضوا غمارها وعاشوا ايامها. غير انه لم يشكل في مسيرة نضال الشعوب الاسلوب الاوحد والامثل لمواجهة الدكتاتوريات في العالم ولكنه يبقى واحدا من اساليب النضال في مواجهة المنعطفات التاريخية رغم انه كان مفروضا علينا من البعثيين وتبنته القاعدة الحزبية وفرضته على قيادة الحزب الشيوعي العراقي لمقارعة الدكتاتورية في العراق . وهنا من حق القاريء أن يتسائل : هل كان حملنا السلاح لمقاتلة النظام صحيحا , وانه المخرج الوحيد؟ وحين حملنا السلاح هل كنا على صواب , وهل الخطأ في التكتيك , وهل كان هذا الخيار الوحيد لنا من اجل اقامة وطن ديمقراطي للجميع ؟ هل قربنا ذلك من طموحنا لاقامة وطن ديمقراطي وحكم ذاتي لكردستان ؟ هل كان متوقعا ان يعاملنا ذلك النظام بما عرف عنه من قسوة واستبداد...معاملات انسانية قانونية عادلة بعد تبني السياسة الجديدة( الكفاح المسلح واسقاط الدكتاتورية) وهل يوجد خيار ثاني ؟ هذه الاسئلة وغيرها الكثير ظلت تدور بذاكرتي وانا افكر بكتابة أوراقي المتعلقه بالايام السالفة . تلكم اسئلة هامة وجدية ... ولكن ليس من مهمة هذه الاوراق ان تجيب عليها فمهمتها تنحصر في رواية شهادتي شهادتك يا عمر ... قد حفزتني ... على ان اروي شهادتي ايضا . في عام 1969 كنت في مقتبل العمر وذات مساء خريفي داهم مجموعة من المسلحين بيت جارنا أولاد خماس الططو مجيد ورشيد وعلى أثر الضجيج أحتشد الناس . كان الناس يراقبون المشهد عن بعد ويتهامسون فيما بينهم . هل ان رشيد ومجيد متواجدان في البيت ’ الكل يترقبون النتيجة لمعرفة ما ستؤول اليها الامور بعد مداهمة البيت بهذه الطريقة البوليسية . المسلحون في الداخل وعلى السطوح والناس تجمهرت في الدرابين المجاورة وفجأة يتدافع المسلحون وهم يبعدون الحشد بقوة وحقد ويقتادون الاخوين باتجاه السيارة التي تنتظرهم بحراسها المدججين بالسلاح وتنطلق بسرعة جنونية وسط حشود الناس نحو اتجاه مجهول وغير مبالين ان دهسوا. دب الضجيج والتساؤل والفضول وكنت انا أتسائل ايضا , لماذا اقتادوهم عنوة وبهذه الطريقة ؟ ماذا فعلا ليستحقا هذا العقاب ؟ ولكثرة الحاحي بهذه الاسئلة وفضولي المتزايد , اجابني ردام احد كادحي القرية ’ الذي ينظم شعرا رغم انه لايجيد القراءة والكتابة ..... أنهم شيوعيون .. شيوعيون – هذه الكلمة سمعتها اول وهلة وبقيت طيلة تلك الليلة افكر بها ’ ماذا تعني شيوعيون ؟ ومرت ايام ولم اجد اجابة لها ... هذا المشهد اعاد الى ذهني احاديث أهلي واهالي اهل القرية حول بطولة خالي الشيوعي خزعل السعدي ... كان مصدر الهام ومثار اعجاب لكادحي القرية. في خضم هذا التداعي والتسائل ولم يمض الا اسبوع فاجأ اهل القرية ان احد ابنائها ثابت حبيب زيدان ملقى في احدى المقاهي على اثر التعذيب الذي واجههه في اقبية دوائر الامن , كونه احد ابطال القيادة المركزية الجناح الذي تبنى سياسة جديدة تهدف الى اسقاط النظام بقوة السلاح .وبهذه السياسة بات نهجا معارضا لسياسة اللجنة المركزية وخطابها السياسي الهادف الى التعاون مع الحكومة المركزية . هذه الواقعة عززت تساؤلاتي السابقة ولهذا سرعان ما اغتنمت الفرصة حين جاء احد أقربائنا للبيت على اثر خروجه من سجن – قصر النهاية –عبد الرحمن اسماعيل علاوي من ناحية بهرز ,كنت اسمع عنه الكثير من خلال احاديث البيت عن بطولاته النضالية وذات يوم رأيت شريطا سينمائيأ لفيلم ( الفراشة ) كنت اتخيل بطله عبد الرحمن نفسه وانها فرصتي للحصول على الاجوبة التي ظلت تقلقني طويلا . وكانت كدمات وجروح التعذيب لم تشف اثارها من عبد الرحمن بعد عام قضاه في ذلك المبنى السيء الصيت ( قصر النهاية ) . بدأت أسئلتي تزدحم للبحث عن جواب . وبحثي يقترب من ذلك الحلم . الذي بدأ يقترب من روحي , لكن الذي حدث وفي ليل شتائي قارص. تم اقتحام بيتنا وبلمحة بصر غيبوا والدي وقريبنا ولم أشاهده الا بعد عام , اما عبد الرحمن فلم اشاهده الا بعد سنوات عندما هاجم في بيتنا احد اولاد خالي لانه انتمى الى حزب البعث , في النهاية استقر في بغداد للعمل في المقاولات العامة لكنه ظل امينا لتلك المباديء وعقيدته ازدادات رسوخأ في الطريق الذي أنتهجه فضلا عن نعمة الله عليه فلم يتوان عن فتح بيته للشيوعيين المطاردين من اجهزة النظام عامي 1978 – 1979 في بغداد بالرغم من تحفظاته التي كان يجهر بها علنا ضد سياسة قيادة الحزب مع البعثين في مرحلة الجبهة الوطنية . لكن غيبه الموت عام 1980 تاركا ورائه سجل نضالي اقتدينا به . يذكرني هذا المشهد المأساوي في قرية الهويدر بجرائم عام 1980 سيقت عشرات العوائل عنوة وقسرا الى ايران . بعد ان طل علينا السيد الرئيس بنياشينه العسكرية متوعدا بمهر فريال الغالي بعد أصابتها بجروح في تفجيرات المستنصرية . وحاليا فريال التي كانت أنذارا ببدأ عملية التهجير القسري تعيش لاجئة في الدانمارك . كانت الاشارة الاولى ببدأ تهجير العوائل بعد ان تم حجز أفذاذ اكبادهم . في قرية الهويدر كان لنا مهرجانا اخر يستمر لمدة اسابيع يبدأ في السادسة مساءا بعد ان تغلق القرية وتسد منافذها وتعتم من الضوء في جو ارهابي لايسمح لهم باقتناء حتى حاجاتهم الشخصية ويقومون بافراغ البيت من البشر وانتزاع أهله عنوة وغلق ابوابه . كنت في حينها طالبا في السادس الادبي أستعد لامتحان البكالوريا . وفي درابين بساتين القرية كنا نحن اولادها نطالع دروسنا حين دار النقاش مع البعض حول هذه الاساليب متعرجين من خلال النقاش الى التصفيات التي تمت في الجهاز الحزبي البعثي عام 1979 باعدام محمد عايش ورفاقه . ضمن رؤى تلك السنين اعتبرتهم يسار البعث وهذه هي بداية الرده عما حملتموه وبشرتم به . هذا الحديث عرضني الى الملاحقة وحرماني من الامتحان لولا جهود والدي رغم انه تعرض الى ضغوطات كبيرة لكنه انقذ حياتي . كانوا يقتحمون البيوت ويضعون الناس في السيارات ونحن اهالي القرية في المقاهي نلوح لهم مودعين اهالينا بغضب واستنكار والم وصمت ... كسر صمتنا عندما وقف الكادر البعثي المقرر تسفيره , مترجلا من السيارة هاتفا ببيت شعر من شعر المتنبي في وسط جموع اهالي القرية: بلادي وان جارت علي عزيزة وأهلي وان شحوا علي كرام ......... كنت في الصف الثالث المتوسط حينما اختارني الاستاذ زهير خزعل احد الطلبه المتفوقين على مستوى المحافظة وجال بنا في المحافظة بحضور أستاذة ومدراء تربية . في فضاءات قرية الهويدر .. وجداول بساتينها .. وأزقتها الطينية .. وصفيح بيوتها . تجسد طموحي بتحقيق حلمي بالانتماء . الى كل الخيارات الجميلة. مرت الايام وكبرت ونما احساسي بالاشياء التي من حولي والتي صارت تشكل هواجسي واحلامي . فكان لابد من الاختيار والانتماء والتنظيم والدخول في معترك السياسة . فبدأنا المشوار النضالي على اسس جديدة يملؤها النقاش والقراءة والبحث والمعرفة من مراجع الفكر والفلسفه .. دكتاتورية البروليتارية .. رأس المال ..الديسبلين . كنا نتسابق الى حفظ هذه المواد من المصادر والكتب ولكن دون فهم كاف لها . لكن الممارسة الفعلية غذت التجربة وكان لتلك السنين جدواها في الفعل والفكر عندها ادركت ان الاهتمام لابد ان يستند الى قضايانا الوطنية والقومية ..الى تاريخنا وتراثنا الاسلامي , لانه يشكل المنظور الاعمق في عكس الثقافة والوعي بالتاريخ والحضارة على وجود الانسان وفاعليته في المجتمع . لسنوات عديدة وانا لازلت اعيش تلك الايام واتذكر تلك الساعات المظلمة والمخيفة من حياتي والتي مازلت حتى الان أعاني وأتألم من قساوتها وأثارها وتهاجمني الكوابيس وافكار عديدة تراودني ويلازمني الخوف على الرغم من قوة الانسان وشموخه .. ولكن لاسباب سياسية في بلدان الشرق يضعف ويلطخ بالوحل والاوساخ ........ لانه يتشبث بالحياة ويدافع عن ديمومتها . كل مارويته ياعمر في اعترافك وشهادتك على مالاقيته من قسوة في الشعبة الخامسة كان غيض من فيض. هل تعرف انا مررت ايضا بهذا المكان الجحيم ومازلت ادفع ثمنه من حياتي وصحتي وروحي ؟ هل تعرف مرات عديدة كانت تداهمني الكوابيس ومهرجانات الدم ورهبة المكان واستغاثة الناس لابقى صاحيا الى بزوغ الفجر ؟. مازلت اتذكر الناس هناك ولا احد يسمع استغاثتهم ... الا ممن استغاث مثلهم وحس باوجاعهم , سيعيش مثلهم . تحاصرني بعد هذه السنين الاف الاسئلة وانا اتعذب في البحث عن اجابات شافية لها . باديا في الكتابة , ربما تدلني وترشدني الى حلول واستنتاجات تخفف من اوجاعي او راضيا ببعضها ,هذا مصير من يعارض الاستبداد ويطمح لبناء مجتمع خالي من العسف والظلم ..هذه مسلمات في المجتمعات التي تحكمه دكتاتورية الحزب الواحد . الى يومنا هذا وذاكرتي تحتفظ بتلك الوجوه الكالحة والبعيدة عن الانسانية والتحضر ... لايمتون بصلة للبشر والادمية رغم انهم ( بشر ), لقد تحولوا الى قساة ووحوش ... وأسأل نفسي مرددا وانا قابعا في زنزانتي النتنة وهم يتلصصون علي من خرم الباب الوحيد ليلا ونهارا ... من أية طينة جبلوا وهل للقساوة خلقوا ؟ يتلذذون بتعذيبك ويتجلون بألمك وموتك . حامد .... احمد .....محمد ومئات من الاشخاص لم تحضرني أسمائهم ولكن وجوهم لن تمحى من ذاكرتي ماحييت .. ذاكرتي التي ارادوا تدميرها عبثا وبدون جدوى . لكنهم استطاعوا ان يحدثوا شرخأ في نفسيتي ويؤثروا الى حد ما على معنوياتي .... بخزين التهم الموجه اليك .. وزد على ذلك اساليبهم القذرة بشراسة التعذيب ووحشية التفنن في قتل النفس . تمر بك لحظات وانت مطروحا على الارض واقدامهم تسحق رأسك .. انهم وحوش بشرية , محاولا استجداء غصة للتنفس ربما تشعرك انك مازلت حيا . في يوم 7- 6 – 1987 وقعت في قبضة الاستخبارات العراقية في ظهيرة صيف حار في الطريق ما بين كركوك وطوزخورماتو ... وبعد تسعة ايام كنت مربوطا في زنزانة رقم ثلاثة , وهي واحدة من زنزانات ذلك المبنى المستطيل. هكذا يوحي للمارة من على جسر الائمة . والمطل على نهر دجلة حيث تخفي بعض معالمه اشجار بساتين الكاظمية التي يؤدي احد فروعه الى طريق منطقة التاجي . تلك الزنازين البيضاء اللون والمختلفة الاحجام .. زنزانتي كانت لاتتسع الا لشخص واحد, حالكة الظلام لا ترى الضوء الا عندما تقف وترى من خلال فتحة صغيرة واقعة في اعالي الباب بحجم قبضة اليد ومع هذا مشبكة بالحديد, منفذ الضوء بحجم القلم لتتمكن من خلاله ان ترى بصيصا من الضوء .. وقد يعرضك هذا البصيص الى جعلك في قائمة الموتى فيما لو شاهدك احدهم وهو يجوب الممرات جيئة وذهابا . فرشت الزنزانة ببطانية سوداء رثة تنتشر منها رائحة دم . دهشتي الاولى بدأت مع دبيب القمل, لكن بعد فترة وبحكم التعود ... باتت حركة النمل لهوي الوحيد في قضاء الوقت وحساب المستقبل من خلال اصطياده , لكنه بدا يزداد يوما بعد يوم . في كردستان العراق أيام النضال في الكفاح المسلح ومقارعة الدكتاتورية , كان يجمعنا موقد النار الساحر وانفجارات اصوات البلوط لاجل اعدادها للأكل في ليالي الشتاء القارص ورغم قساوتها لكنها تبقى الامثل في حياتي لاهدافها النبيلة ... وكان لدبيب القمل حصته ايضا في البحث عنه في مثل هذه الاجواء من اوقات فراغنا بين عقد وزوايا ملابسنا ورميه في النار لنستمتع بأصوات انتحاره. عندما كان يطرق سمعي بقربهم من زنزانتي ومن ذلك الباب الحديدي الموصد بسلاسل واقفال ينتابني الخوف ببداية مشوار جديد للتعذيب والالام ........... للموت الذي كنت انتظره بحكم أهانة الحياة هناك يصبح مألوفا ولا عليك الا انتظاره ... بل تمنيته وحاولت الاسراع بموتي ولكن بدون ان اتمكن منه في تلك اللحظات المرة والمفجعة في حياة الانسان . كنت احاول الحفاظ على ما املك من اسرار وما احمله من امانة لكي لا ارغم على البوح بها, مستعينا بقوة الاعتداد والاصرار . فانا احتفظ لاولئك البشر مواقفهم الشجاعة والنبيلة في الاستعداد والنضال ,. للناس الذين فتحوا بيوتهم لي , سيبقون خالدين في ضميري .. وساحميهم حتى لو ارادوا قطع رقبتي وهذا عهد قطعته على نفسي في لحظة وقوعي بين ايديهم . كانت كلما تطول الفترة يزداد التعذيب وحشية وخوفي يتفاقم من المجهول وما تخفيه الايام القادمة .. لانه في كل جولة من التعذيب يفاجئونك بمعلومات جديدة ربما بعضها تخمينية اكثر مما هي حقيقيه . لكن كاي جهاز استخباراتي يبني احتمالات لاجل الوصول الى نتيجة . تقع زنزانتي في ركن المبنى المستطيل وتحمل رقم ثلاثة .... وبمرور الوقت تصبح عندهم مجرد رقم . كانت تقابل بركة المراحيض ( التواليت ) والتي هي عبارة عن غرفة مغلقة باربعة جدران .... وبعمق متر ... ولها منفذ الى نهر دجلة تفرغ عندما تمتلي وهذا يحتاج الى ايام ولها فتحة بوسع الباب للدخول والخروج وتحتوي على دكة .... عندما اذهب الى تلك البركة يكون جسمي قد غاص الى نصفه في الغائط .... وعندما اخرج اقف صامتا على البركة ونظري تحت الارض . ويقوم احدهم بتنظيف جسمي من مسافة بعيدة من خرطوم الماء ( الصوندة ) يرش احدهم الماء عليك من مسافة بعيدة وبقوة دفع كبيرة وان ارادوا التقرب منك ستكون في عداد الموتى .... ولديك ثواني معدودة لقضاء الحاجة . وان اضطررت ستكون في داخل الزنزانة . جناحنا كان يتضمن زنازين انفرادية بارقام فردية . كنت الاقرب الى موقع المراحيض من الجانب الايمن من الدخول الرئيسي . وكان استعمالها جماعي . ومقابل زنزانتي توجد طلعة موصدة بباب حديدي احيانا تفتح . أشعر بها من خلال نسمات الهواء العذبة . كنت اتسابق مع اقدامهم ووقعها لاتمتع بنظرة خاطفة الى مياه دجلة العذب من خلال فتحة الباب الحديدية ... كنت اعرف ان هذا النهر قد روي بدماء الاف الشهداء ليكونوا طعاما للاسماك بعد اعدامهم . هذة الوقائع تعيدني الى ماضي بعيد من ايام النضال والحماس يعيد بي روح الاصرار والمواصلة . رغم رهبة الخوف والموت . هذا المبنى الرهيب لي معه ذكريات عشتها ففيه كنت اصغي لاصوات رفاق واصدقاء ساقهم الحظ العاثر اليه . وقد علق احدهم وهو يشيد ببسالة رفاقنا الالمان عندما قال ....... لقد شيد الالمان الشرقيون هذا المبنى خصيصا لقتل الشيوعيين العراقيين . كانوا يستخدمون كل الاساليب لاجبارنا على الحبو او تقليدنا لاصوات الحيوانات كاسلوب لتجريدنا من ادميتنا ولزرع عوامل الخذلان واليأس والاحباط فينا . حتى عندما تنتهي من حاجتك وفي الطريق الى الزنزانة تجدهم في طريقك واقفين ويتحينون الفرصة في توجيه الضربة تلو الاخرى مع سيل من السب والشتائم السوقية . كانوا يتسلون بتعذيبنا . لكنهم يتظاهرون بالضجر من وجودنا . فبعد النزول من دكة عتبة باب دخول التواليت مباشرة يكون في انتظارك احدهم يحمل في يده طاسة من الماء والصابون ليقوم بمهمة صوبنة وجهك .... وما عليك راغما الا ان تنظر الى الاسفل ..... وممنوع ان ترفع عينك او تنظر الى احدهم ... اما مهمة الثاني تكون بيده ماكنة حلاقة ليقوم بحلاقة وجهك بطريقة همجية وفي طريق العودة الى الزنزانة تختلط في وجهك فقاعات الصابون مع سيل من الدماء . كنت ارغب كثيرا ان ابقى داخل الزنزانة لاتجاوز هذا المواقف المؤلمة . جربت مرة واحدة فهجموا علي داخل الزنزانة حين حاولت التباطؤ في الخروج . وفي نفس اليوم بلغوني بقانون المعتقل حيث تواجه فورا عقوبة الاعدام . دمدمت مع نفسي هامسا ان كنت محظوظا لاتخلص من هذا العذاب . ومن القوانين الصارمة جدا هو قانون النوم ... النوم يكون اجباريا في الساعة الثانية عشرا ليلا والنهوض في الساعة السادسة صباحا وخلاف ذلك ستكون حياتك في خطر دائم . مرة كنت منهكا من تعذيب اليوم الذي سبق حيت لم استطع المقاومة ... غلبني التعب والنعاس والالم , فاستسلمت الى النوم ضنا مني انهم اكتفوا بتعذيبي هذه الليلة . ولكنهم كالكلاب المسعورة يتلصصون ليلا من خلال خرم الباب المشبك بسبب العتمة في الزنزانة والتي لم تسمح لهم رؤيتي داخل الزنزانة . ففتحوا باب الزنزانة ليتأكدوا من وجودي داخلها . ورغم قوة صليل الاقفال والسلاسل الحديدية لم تفيقني من نومي ولم احس بوجودهم في الزنزانة من شدة الارهاق والتعب . ولكني فزعت ولم اشعر بشيء الا عندما انقضوا علي . في داخل زنزانتي التي لاتتسع الا لتمدد جسمك فيها تلقيت حصتي من التعذيب لهذا اليوم, تعذيبا مضاعفا ربما اختاروا هذا المكان لزحمة الواقفين في دور الانتظار والجالسين على ركابهم امام غرف التعذيب والمجهزة باساليب وادوات حديثة ومتطورة ومرات عديده اخرجوني الى ممرات غرف التعذيب معصوب العين مقيد اليدين وموضوعة الى الخلف واحيانا مقيد القدمين من المساء حتى طلوع الفجر ... واعود ثانية الى الزنزانة في انتظار دوري الذي يكون قد اقترب قليلا . وانا في حالة الانتظار المشدودة الاعصاب يشق سماعي الانين والصراخ وصوت التوسل احيانا بالكف عن الضرب والتعذيب , وهذا لايزيدهم الا ضربا مبرحا بالكابلات والصراخ بالكلمات البذيئة وسماع الاصوات الهستيرية , بعد أن عذبوني ضربا وشتما أجبروني أن أقف داخل الزنزانة حتى الصباح مرفوع اليدين وعلى رجل واحدة وكأني اقف على قمة جبل سورين الذي احتضنت صخوره وضمني داخل كهوفه لسنين . هذه الذكريات تدور برأسي لتعود بي الى عام1987 .
مدن كردستان تنتفض
في عام 1987 وفي صيف ساخن باحداثه السياسية حدث تململ جماهيري وفعاليات عسكرية واسعة في مدن كردستان تواكبا مع تطورات الاحداث , أدت الى سقوط ناحيتي ( نوجول) في قاطع كرميان بيد انصار الحزب الشيوعي العراقي و قرداغ) في محافظة سليمانية بيد قوات البشمركة المشتركة . في خضم هذه التطورات والاحداث المتسارعة والتي سبقت التقيمات والتقديرات بسرعة حدوثها , كنت في الطريق مع مفرزة انصارية متوجها الى قاطع سليمانية وكركوك بعد ان تركته في نهاية 1985 الى قاطع بهدينان بعد ان سدت منافذ العبور وصعوبة التحرك والتوجه بالنزول الى بغداد الحبيبة نتيجة سياسة الاحتراب مع قوات الاتحاد الوطني الكردستاني ( أوك ) . أدت بنا هذه النزاعات المسلحة الى حصرنا في الشريط الحدودي مع ايران في مناطق سليمانية , مستعينين بمفارز صغيرة تعمل بالسر والخفاء وهم من ابناء المنطقة ( كري منطقة ) . وصلت الى قاطع بهدينان الفصيل المستقل الذي يعني بتنظيمات الداخل والذي يوجد فيه عشرات من الكوادر الحزبية . لكن عدد الرفاق الذي يتوجه الى الداخل من مجموع عدد الفصيل لايتناسب لاطرديا ولاعكسيا مع العدد الموجود . في قاطع بهدينان كانت كل الطرق سالكة تقريبا بما فيها النزول الى بغداد طبعا على الرغم من وجود بعض المخاطر الجدية. . كان رفاق محلية الموصل متمكنين من مد الخيوط والاتصالات بالمدن والقصبات الميحطة بمدينة الموصل وحتى داخل المدينة . وكان للرفاق ابو داود – خديداختاري- وصباح كنجي وعامل تأثيراتهم الواضحة في التحرك في دشت الموصل . من خلال هذه العلاقات والتحركات تمكنت من النزول الى بغداد مرتين في عام 1986 من خلال المحطات الحزبية . وسبقني في النزول الى بغداد مجموعتين كانت الاولى مكونه من الرفاق الشهداء ابو احمد – ابو سرمد – ابو بشرى – ابو سالار . اما التحرك الثاني فكان ممثلا بالرفاق , الشهيد ابو اثير ( علي الجبوري ) وابو عبير ( عبد فيصل ) .اود ان اذكر هنا ان عملية الصعود الثاني الى كردستان , اخذته على عاتقي الشخصي ربما في حينها كنت مضطرا . وصلت من بغداد الى الموصل . وركبت سيارة أجرة الى قضاء شيخان وفي وسط الطريق نزلت متوجها الى احدى القرى الصغيرة حيث توجد لنا فيها عائلة اشورية رب البيت مقاتل معنا . بقيت ليلتان في البيت وكان يوجد في البيت ضيوف من بغداد, جرى الحديث معهم في الليل ودارت نقاشات بيننا طويلة وتساؤلات محرجة عن تطورات الوضع السياسي ومستقبل وجدوى تجربتنا في تغيرات الوضع السائد وكنا جالسين على اضواء الشموع لانه كانت مشمولة بخطة السلطة في قطع التيار الكهربائي عن القرى . اما في النهار كنت لااخرج من محيط الغرفة تحسبا ان يراني احد من اهالي القرية . في اليوم التالي تسللوا من الجبل ليلا بعد وصول خبر وصولي .جاء رب البيت مع الرفيق عامل . لكن عويل الكلاب في القرية دفع الربايا والمواقع العسكرية المحيطة بتشغيل التنوير على القرية مما اضطررنا على التخفي داخل القرية تحسبا من تقدم الجيش ومفارز المخابرات باتجاهنا , لان امكانية العودة الى سلسلة جبال القوش وشيخان في نفس الليلة ضربا من المستحيل بسبب تعب الرفيقين وقرب بزوغ الفجر . لضرورة الخبر وأهميته اضطررت العوده ثانية بسبب الارتباك الحاصل و الذي من الممكن ان يعرضني الى الموت . حيث تمكنت من ايجاد عمل مناسب ومكان أمن بعيدا عن اعين الرقيب في العاصمة بغداد . وبدأت التحرك بهدوء ودقة بعد ان توفرت مستلزمات التحرك للعمل الحزبي بمد الخطوط والاتصال بالناس وسط صعوبات جمة في ساحة العمل الحزبي التي تركتها مضطرا عام 1983 ثلاث سنوات كانت كافية وكفيلة في ظل الارهاب بضياع الجهود السابقة التي بنيت بالدم وذهب ضحية هذا العمل رفاق أخص بالذكر كريم خروع من اهالي السماوة البطلة , حيث اعتقل اثناء عمله في صيدلية خاله بشارع الجمهورية ببغداد . واثناء تلقي الخبر حاولت الابتعاد عن اللقاءات تحسبا ان يدلي باعترافات تسبب لنا كارثة , لكنه كما أتضح وعرفناه فيما بعد فقد استشهد تحت التعذيب ولم يعترف مدافعا وببساله عن الشيوعية وهذا يعد واحد من جنود الحزب المجهولين . كان عام 1986 عام حزن وضياع رفاق درب . عام بداية تحطيم تنظيم المنطقة الوسطى وتحديدا في بساتين ( جديدة الشط )حيث تمكنت مجموعة بطلة من الشيوعيين العراقيين من التسلل من جبال كردستان وبناء قواعد حزبية في ريف ديالى . منطلقين من احدى بساتينها للعمل الحزبي . تعرضوا الى هجمة شرسة في ساعة صفر واحدة يوم 01-01 –1986 . وكان مسؤول التنظيم ابو ناصر وقيادة الحزب في كردستان بعيدين عما حدث من تطورات . يجهلون المعلومات عن اسباب وخطوط الضربة بكل تفاصيلها ودقائقها . كان الموعد الحزبي المهم والمحدد لي مسبقا مع الرفيق والصديق سلام العجيلي ( ابو الجاسم ) المقيم حاليا في مدينة أستوكهولم . تكرر الموعد مرتين حسب الاتفاق في بغداد وتحديدا في موقف الباص مقابل السينما الواقعة في حي الاعظمية . التي تحولت الان الى مسرح السلام . ولكن لم التقيه في كلا المرتين شعرت بالقلق ورحت ابحث عن اسباب عدم حضوره في الموعد المحدد . كنت اعيش في ظروف صعبة من ناحية السكن والتحرك بأمان . بدأت الشكوك تطاردني في تحركاتي واتصالاتي . والاحتمالات السيئة التي ربما كانت اكثر من الواقع . لكن عمل بهذا المستوى وفي مثل هذه الظروف تستدعي ذلك . ومما زاد تخوفي هو تلقفي لاطراف حديث من بعض الاصدقاء القريبين لنا والذين التقيتهم في بغداد . كلامأ يفيد بان وكر للشيوعيين تعرض للمداهمة في مدينة الراشدية ... وحسب معلوماتي فان ابو الجاسم متواجد في هذا المكان . أذن سأكون انا تحت مراقبتهم . تحركنا انا والرفيق ابو الجاسم في نهاية شباط 1986 من موقع الفصيل المستقل في منطقة ( زيوة ) مع مفرزة انصار من الشيوعيين باتجاه مناطق دشت الموصل . وكان موقع الفوج الاول واقليم كردستان أخر نقطة التقاء لنا ووضع اللمسات الاخيرة لاسلوب عملنا وطرق التحرك والاتصالات في الداخل . ودعنا بعضنا انا وابو جاسم بعناق كبر العراق . وتعهدنا بروح الشهداء ان نحافظ على مبادئنا, وسبقته في النزول الى بغداد باتفاق بعد ايام معدودة سألتقيه في بغداد . ان تقديراتي وضمن تجربتي البسيطة والمتواضعة وهذا ماخرجت به من عملي في هذا المجال ان الرفيق في لحظة تركه الموقع يفقد الاتصال بالمركزفتصبح اخباره في خبر كان . حيث لم يعد التنظيم ولاحتى يحاول المتابعة عن حياة الرفيق ولهذا تبقى الشكوك هي الكفة الغالبة في هذا النوع من العمل ,فثمة رفاق وقعوا بيد السلطة وتعاونوا معها واخفوها عن الحزب وكانوا يقدمون تقارير كاذبة عن حياتهم في داخل العراق . والتجربة كشفت بمختلف الطرق عدد من الحالات تورطوا بهذا العمل . والذين يتربعون على عرش هذا النوع من العمل الخطر والمهم لم تسعفهم مؤهلاتهم على مواكبة حقيقة مايجري في الداخل . واصبحت قيادة هذا النوع من العمل اسلوبا للتظاهر والاستعراض .... اكثر مما هو نضالي ومقدس . وزد على ذلك ان هذا النوع من العمل خضع الى اسلوب المنافسة . ايهما قادر ان يزج اكبر عدد من الرفاق الى الداخل بدون تمحيص وتدقيق ولهذا ظلت منظمات الداخل مجهولة وملغومة من الداخل . وهذا ما اثر بدوره على سمعة الحزب بين الجماهير وضعف مواقعه . احد مندوبي المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي دعي للحضور من الداخل . لكن اثناء وقائع جلسات المؤتمر حجر وعزل في مكان معزول لكثرة الشبهات حوله غير ان الاصطفافات بعد المؤتمر والتي لم تخلو من الكولسه والاقليميات والارتياحات عادته مرة ثانية الى الداخل رغم الاعتراضات الشديدة وقد ادت تلك السياسات الى الحاق افدح الاضرار فيما بعد بالتنظيم واستشهاد عدد من الرفاق . ودعت ابو جاسم مع رفاق محلية الموصل خديدا ختاري ( ابو داود ) وصباح كنجي وعامل . بعد يومين من المسير على تلال واطراف مدينة الموصل . رافقت مسيرتنا تحركات مكثفة وواسعة أشبه باستنفار عسكري من أجهزة السلطة في المنطقة . مما دفعنا ان نختفي في شكوت ( كهف صغير ) لمدة ثلاثة ايام في سفح جبل متين مطل على الشارع بين اقضية القوش وشيخان . وكان غذاءنا اليومي في كل الوجبات زيتون معد قبل فترة وجيزة ومخبأ في الكهف . ولم يكن قد جهز للطعام لكن اضطررنا على أكله جعلنا أن نقضي عليه . بعد ان خفت التحركات من خلال المعلومات التي وصلت لنا . تحركنا ليلا باتجاه دشت الموصل وكانت الاراضي محروثة حديثا ومعدة للزراعة ونزل عليها مطرا كثيفا مما عاق تحركنا وأخرنا في الوصول على الموعد المحدد بعد ان ضللنا الطريق الى قرية ( دوغات ) . داهمنا الصباح وبدأت حركة السيارات بين الموصل ونواحيها فضاق الوقت بنا والخطر يداهمنا . لكن ما اسعفنا هو وجود حفرة صغيرة ومعدة لهذه الايام من الطواريء ومهيأ بشكل جيد . كانت من داخلها مغلفة بالخشب ومدخلها عبارة عن صخرة بمستوى انبساط الارض لاتثير اي انتباه وحشرنا بها ثلاثة رفاق انا وصباح وابو داود رغم انها لاتتسع الا لشخص واحد . من الساعة الخامسة صباحا حتى السادسة مساءا . كنا نسمع ضجيج اصوات السيارات وحديث الرعاة واصوات الماشية . تحت جنح الظلام تحركنا باتجاه قرية دوغات الى بيت احد رفاقنا . واستقبلنا بحفاوة كبيرة . في الصباح توجهت مع احد الرفاق من التنظيم المدني بسيارته ( التاكسي ) الى مدينة الموصل . ولدواعي أمنية بقيت في الموصل اتجول وحدي للتأكد من عدم مراقبتي. في الليل ذهبت الى المحطة وركبت مع عدد من الناس في سيارة متوجهة الى العاصمة الحبيبه . مع طلوع الفجر كنت في بغداد في منطقة علاوي الحلة . ذهبت الى من كنت أحس بحسن استقبالهم لي . هدى – عالية – سعد - علي - ورغم كل ظروفهم الصعبة والرعب الذي يسكن نفوسهم . فتحوا لي ابوابهم بعد قلوبهم وفاءا لمعروف قديم سبق لي ان قمت به . بدأت اعيد اتصالاتي بعدما فقدت الأمل في اللقاء بالرفيق ابو الجاسم . ابحث عن ادوات الامان بحدود السكن, مع هذا بقيت أمر على نفس الموعد والمكان وانا جالس في الباص عسى لعلي اعثر على ابو جاسم . قضيت الايام الاولى بصعوبة بالغة وخاصة في الليل . كانت ساحة النهضة في بغداد ولمرات عديده مناما امنا مفترشا ارضها لقضاء ليلة اخرى مع الجنود القادمين والذاهبين الى جبهات القتال مع ايران . لكن كنت في الاغلب اقضي ليالي التعيسة في القطار الواصل بين بغداد والموصل . اتصلت اولا بالدكتور كريم دبش( يعيش الان في اليمن) وحددت موعدا للقاء به في الكاظمية . جرنا الحديث الى كورنيش الاعظمية مشيا على الاقدام فهو مكان لا يثير اي انتباه باعتباره ملجا امنا لتسامر العشاق . عادت بي الذاكرة سنيين الى الوراء عندما كنت طالبا في الجامعة, كنا نذهب مجموعة من الطلبة الى مكتبة الاعظمية للقراءة ومتابعة الدراسة وبعدها نذهب الى اماكن الهدوء هذه لنتمتع بشواطيء ومياة دجلة العذب . ثمة طلبة جمعتهم ظروف الدراسة والزمالة والرفقة وضربا من التجاذب الروحي رغم التباعد الجغرافي والانتماء السياسي. وذات مرة انا وزميلتي انعام وهي من اصول هندية بالرغم من وشائج الصلة في علاقة متنامية من خلال الاهتمام المتبادل والذي لم يدم طويلا لصعوبة الاجواء السائدة انذاك , دار نقاش بيننا اثر ظهور ( القائد) في اجتماع مجلس الوزراء عام 1982 , وامتد النقاش حتى قرار اعدام وزير الصحة العراقي رياض حسين لمحاولته (استيراد ادوية سامة لمعالجة جرحى الحرب) . كانت انعام تناقشني بقناعة مؤكدة ادعاءات( السيد القائد) . في الوقت الذي لم تسألني يوما لماذا لم اكن بعثيا . كنا انا والدكتور كريم في كورنيش الاعظمية نرى العشاق يتهامسون تحت ضلال الاشجار ونحن مشغوليين في استقراء الوضع السياسي وامكانية العمل الحزبي في الداخل . في هذا الوقت لم تنقطع محاولاتي رغم كل الظروف الصعبة التي واجهتني في تفسير غياب ابو جاسم عن الموعد والاحاديث المتناقلة على ألسن الشارع من ان هناك كبسة تمت لوكر شيوعي في قرية ( جديدة الشط ) الذي يعد المرجع الحزبي لي . تكللت محاولاتي بالنجاح للوصول الى الموقع من خلال أمراة مسنة ومازالت حية ترزق في العراق . بعد ان تمكنت من الوصول الى الموقع , تعرضت الى التهديد بالتسليم الى السلطات من قبل الشيخ صفوك خوفا من ان تكون مرسلة من النظام لان هذه الاساليب كانت مألوفة وزد على ذلك كان اغلب افراد عائلة هذا الشيخ معتقلين وبضمنهم النساء أم ستار وسفانة . لكن استطاعت ان تقنع العائلة بشرف مهمتها من خلال تقديم بعض التطمينات . وحصلت على رسالة تفصيلية حول الضربة واضرارها وابعادها النفسية والمادية . سلمت الرسالة لي في بغداد في منتصف عام 1986 . هنا توجب صعودي الى كردستان لانه قيادة التنظيم كانت تجهل تفاصيل الهجمة على الموقع الحزبي . في هذا الوقت ايضا كنت المراسل الحزبي ربما الوحيد لصحافة الحزب وخصوصا طريق الشعب حيث يتم تزويدها بالاخبار اليومية والدقيقة وممكن مراجعة أرشيفها لعام 1986 وبمعاونة رفاق واصدقاء لي . واحدة من الاخبار التي نشرت في طريق الشعب هو طرد ابن خالي الطيار سعدي طالب السعدي كوني من اقربائه ومعادي للسلطة . حيث استدعي الى دائرة الاستخبارات العسكرية كونه اخفى معلومات عني وسليل عائلة معادية . بعد سقوط النظام 2003 عثروا اقربائي على وثيقة في المخابرات العامة معنونة الى كافة المؤسسات الامنية والحزبية في البحث عني ومذكور ايضا اسم ابن خالي سعدي السعدي وموقعه من قبل علي حسن المجيد. وسأقوم بنشرها في نهاية الكتاب . بعد فترة من وصولي الى قاطع بهدينان بلغت حزبيا بتغير مجرى عملنا الحزبي و العودة ثانية الى قاطع سليمانية وكركوك وكانت هناك مستجدات أملتها علينا ظروف العمل اللاحق وهي الاندساسات التي كشف عنها من خلال اعترافات البعض وتقديمها لاجهزة السلطة خطوط العمل والمحطات في التحرك نحو الداخل . كان فالح حسن ( ابو بهاء ) واحدا من هؤلآء المندسين و تمت تصفيته جسديا بعد ان ادلى باعترافاته الكاملة ولجسامة الاضرار التي لحقها بالتنظيم.ولطبيعة المخاطر وجديتها على صعيد الوضع الامني في العراق طلبت وبالحاح من ابو ناصر ان اعود الى الداخل وبنفس الطريق، وفي حالة الصعود سالتحق من قاطع سليمانية وتحديدا عبر منظمتي السابقه ( الصدى) التي اعتز باسلوب عملها وطريقة تحركها ودورها الكبير في لملمة الناس المقطوعة من الحزب او بالاحرى التي تركت بدون توجيهات عملية للمرحلة المقبلة وعلى اسس تنظيمية جديدة املتها ظروف البلد أنذاك حيث انها واكبت كل تطورات البلد من المتغيرات . أبدى ابو ناصر تحفظاته على منظمة الصدى والتنسيق معها لدواعي أمنية. اما انا فكان ترددي وخوفي من خلال بعض الحجج المقنعة لكن لم تراع ولم يعتد بها وحدث ما توقعته وطرحته. واخيرا التزمت الصمت مما فرض علي من توجيهات وقرارات بعدما شعرت ان حججي لم تلق ترحابا فالنتيجة كانت مأساوية وغير مرضية للجميع. تحركنا مع مفرزة انصارية صغيرة من منطقة بهدينان وتحديدا من مقراتنا في منطقة ( زيوة ) باتجاة منطقة لولان عبورا الى قاطع سليمانية ومرورا بالمدن الايرانية . وفي لولان تأخرنا عدة شهور بسبب رداءة الجو حيث الثلوج غطت قمم الجبال فعرقل عبورنا . استقريت في منطقة بوربيان مع ابو ناصر و علي الشرطي الطاريء علينا اصلا ووجوده كان خطأ. عقدت اللجنة المركزية اجتماعها الاعتيادي وهذا اول اجتماع يعقد بعد المؤتمر الرابع للحزب. حضر ابو ناصر الاجتماع وكان واضحا عليه انه قد بلغ من قيادة الحزب بانه من العشرة المبشرة باحتلال مواقع قياديه مرموقه, خارجا ببركان من الهمم والمعنويات العالية . بالامس فقط كان مترددا ويشكوا كثيرا ويطالب بالسفر الى الخارج للراحة ,علما ان الرفيق ابو ناصر كان من الناس المناضلين ويتمتع بنكران ذات قل نظيره . في بهدينان عندما تعرضت غرفة الرفيق ثابت حبيب ( ابو حسان ) الى قصف مدفعي من السلطة وهدمت على إثره قام ابو ناصر وبمساعدتي ببناء غرفته مجددا في الوقت الذي لم يجرؤ العديد من الرفاق على التقرب من غرفة ابو حسان لخلافاته مع الحزب حول الوضع الامني . بعد المؤتمر الرابع تم تعين اعضاء اللجنة المركزية من قبل سكرتير الحزب عزيز محمد – فبقى لغزا محيرا واحد داخل والاخر خارج . في لولان ايضا ودعنا الرفيق مهدي عبد الكريم أثر سكته قلبية ألمت به ولم تمهله طويلا . وفي اليوم التالي تم تشييعه ودفنه في مقبرة لولان رغم كثافة الثلوج . وابنه رحيم عجينة في تشييع مهيب وحزين ومؤثر. في منطقة لولان التقيت بالشهيد البطل علي الجبوري ( ابو احمد ) كان توا عائدا من بغداد ,وجدته هذه المرة محبطا من خلال استعراضه للوضع التنظيمي والسياسي . تحدثنا لايام عن مجمل قضايا تخص الاوضاع والعمل في داخل العراق تربطني بهذا المناضل وشائج رفاقية عميقة فعندما حاولت من سوريا الخروج الى براغ تطلب الموقف كتاب تأييد للحصول على فيزة للجواز اليمني الذي احمله وممكن الحصول عليها من مقر الحزب في دمشق , هم الرفيق ابو احمد الذهاب الى المقر حامل جوازي للحصول عليها ,التقى في المقر لبيد عباوي حيث امتنع الاخير عن اعطائي كتاب تأيد للسفارة الشيكية بسببا علاقتي بباقر ابراهيم وعامر عبدالله فهم يستطيعون حسب رأيه الحصول على الفيزة فواجهه الرفيق ابو احمد بعنف مسمعا اياه كلمات ربما لم يسمعها طيلة حياته .في المساء التقى ابو احمد بالرفيق ابو داود طالبا منه ان يبلغني بالذهاب الى المقر وسيجد الكتاب جاهزا وهذا ماتم فعلا . في لولان – كشفت مايجول في دواخلي من تردد وخوف حول طرق واساليب العمل في التوجهات الجديدة والمرتبطة بتغير امكنة عملنا وتحركنا الجديد . لكنه حاول ان يخفف عني عبء التردد بحديثه المسؤول والعقلاني لكنه لم يهمل افكاري ورؤيتي للمستقبل . في خضم هذا النقاش والحلول سؤلنا في لولان من قبل العاملين في موقع الاعلام باعتبارنا واصلين جدد من بغداد عن مانشيت عريض وجذاب في صدر جريدة الحزب طريق الشعب يشير الى ان هناك في بغداد وتحديدا في كلية التربية الرياضية واكادمية الفنون الجميلة اندلاع موجة من الاحتجاجات والمظاهرات ادت الى الاصطدام مع اجهزة السلطة في بغداد ,وفي هذا التاريخ المحدد كنا انا وابو احمد في بغداد , نفينا الخبر وبدل بمانشيت اخر . وكانت السلطة العراقية لمرات عديدة تقوم بتضليلنا من خلال تسريب اخبار كاذبة لنا عن طريق وكلائها في المنطقة .فكيف الخبر سيجد مصداقيته في تسريب وكلاء السلطة لنا وان وقوع الحدث يشير في ذلك الى كليات مغلقة مثل التربية والاكاديمية . حدث ذات مرة عندما كنت في قاطع سليمانية في منطقة مصيف أحمداوة عام 1984 ان هناك مظاهرات في بغداد بمنطقة السنك, انه خبر منشور في جريدة مركزية وبالنتيجة فهو عار عن الصحة. ينبغي اولا التأكد من صحة الاخبار لما له من اضرار بليغة على سمعة الحزب وضعف موقعه وبمصداقية خطابه السياسي بين الجماهير . في الربيع ذابت الثلوج من قمم الجبال فتوجهنا الى ايران قاصدين مناطق زيوة التابعة لمحافظة الرضائية حاملين أوراق الحزب الديمقراطي الكردستاني تحسبا وتمويها على المخابرات الايرانية وكان معنا عمر الشيخ ابو فاروق . بعد يوم واحد وصلنا الى مناطق زيوة مقر حزبنا بقيادة الرفاق ابو هيوا وابو حكمت . بعد يومين من وجودي طلبت من ابو ناصر ان اسبقهم الى مناطق ( بشدر ) حيث مقرات الحزب الجديدة رغم اجواء المدينة الهادئة والبعيدة عن الصعوبات وحاجة الرفاق الملحة للراحة والاستجمام للابتعاد عن اجواء حرب الانصار واليوميات المملة احيانا . بعد الحاح واصرار مني سافرت الى مناطق بشدر مع احد الرفاق الاكراد وبقيت في الموقع (دولا كوكه) بانتظار تحرك المفرزة ووصول ابو ناصر من ايران . في معمعة هذا التأخير التحقت في مواقع الربية للكمائن المتقدمة والمطلة على سهول مناطق ( قلعة دزة ) لمراقبة تحركات اجهزة السلطة وجحوشها وان نتفاجأ بافواج من الجحوش تسلم نفسها بقادتها واسلحتها من خلال العبور من موقعنا الى مقرات الحزب الديمقراطي الكردستاني في الاراضي الايرانية وفي وقتها طلبت من مسؤول المفرزة بالتحقيق معهم وتجريدهم من السلاح, تحجج المسؤول بأمر قيادة القاطع السماح لهم بالعبور عبر موقعنا . تخلف عنا الرفيق ابو جاسم في موقع بهدينان بسبب الام في رجله والتحق بنا لاحقا في قاطع سليمانية وفي منطقة زيوة الايرانية , قبل السفر ألتقينا انا والشهيد علي الجبوري ابو احمد بالرفيق سامي حركات بناءا على موعد مسبق مع ابو احمد وكانت بالنسبة لي المرة الاولى التقي به والذي اصبح فيما بعد ومن خلال هذا اللقاء تقارب فكري وسياسي بيننا. وجدته عكس ماقيل عنه من سخافات بحق رفيق الامس فهوشاب دمث الاخلاق ومعشره طيب ودافيء ويحمل مؤهلات سياسية وفكرية ومشاريع ثورية مؤجلة , طموح تتلمس من خلاله رؤياه السياسية و أصراره على التحدي وروح المواصلة وقد تم اللقاء خلسة وبعيدا عن اعين الرقيب وكان ضيفا على مقرات الحزب الديمقراطي الكردستاني في زيوة الايرانية. وقد شكا لنا سوء المعامله ولغة التخوين والتهميش بحقه وما تعرض له من قساوة وتعذيب هو ورفاقه في الزنزانات الفردية في منطقة ( بارزان ) واستشهاد الرفيق منتصر تحت التعذيب الذي كان يمارسه النصير سياميد وهو من اهالي اربيل والذي سلم نفسه الى السلطات العراقية فيما بعد وكانت اللجنة التحقيقية برئاسة الدكتور مهند البراك ( صادق ) .وبعد ان اخذت الامور منحا خطيرا دفع بالرفيق ابو جاسم ( قاسم داود سلمان ) الى مخاطبة عزيز محمد جالبا معه بعض ادوات التعذيب وقميص الشهيد منتصر مضرجا بالدماء . وما كان من الاخير الا ان أمر باطلاق سراحهم وتركهم على الحدود الايرانية باعتبارهم عملاء للسلطات العراقيه فوقعوا بقبضة ورحمة المخابرات الايرانية . كان سامي حركات يتحدث لنا بألم عما تعرضوا له من ممارسات دنيئة . فالرفيق ابو احمد استنكر هذه الاساليب في التعامل مع الرفاق الذين يختلفون مع سياسة الحزب محاولا تهدئة الموقف بحديث استطاع ان يمتص به غضب سامي وهو يتحدث بعصبية . ان ظاهرة اتهام الاخرين ترسخت في العقد الاخير ربما واحدة من اسبابها الظروف الاستثنائية التي مر بها الحزب في الابتعاد عن الجماهير , لكن هذه الظاهرة زادتهم انعزالا وابتعادا . ربما يكون الاسلوب الاضعف هو مهاجمة مخالفيهم في الرأي والفكر . وهذا احد النتائج السلبية جراء انعدام الديمقراطية في الحياة الحزبية. في السنوات الاخيرة اخذ هذا الاسلوب يضعف بل يفقد مصداقيته بل والأكثر من ذلك برزت انعكاساته السلبية بفرز نتائج وخيمة على سمعة الحزب وجماهيرته ونفور اعداد متزايدة من التنظيم واختلت مواقعنا الطبيعية وسط الناس والمجتمع . تقول الاديبة والفنانة – حياة شرارة ... على لسان اختها بلقيس شرارة .. ( ان بعد تردي الوضع العام . عام 1961 حيث وجد ان عراق نوري السعيد وعراق الثورة لايختلفان . فقررت حياة الذهاب الى موسكو للدراسة لانها كانت مصممة على ترك الحزب الشيوعي بعدما خاب ظنها في العمل السياسي . وكانت على اختلاف مع الشيوعيين ولم يكن بوسعها ترك الحزب والبقاء في الداخل حيث سيتحول بعض اعضائه الى مهاجمتها ونعتها بالخيانة والجبن . الامر الذي كانت تتجنبه . كانت في صراع نفسي متواصل . فكان تقديمها طلب الالتحاق بالبعثة لاتمام دراستها فرصة مناسبة للتخلص من هذا الجو والابتعاد عنه . وقد صورت تلك الخيبة على لسان احد ابطال روايتها .. وميض برق بعيد ) . هنا تعود بي الذاكرة لسنوات مضت كانت حياة تدرسني لمدة ثلاثة سنوات الادب الروسي من خلال تسطير فطاحل الادب الروسي الذي تميز بالجرأة والواقعية ومقارعة الظلم . بعد وصول ابو ناصر الى مواقع بشدر كنت حينها مرابطا في الربية نستقبل افواج الجحوش المسلحة المنهارة بتركها مواقع السلطة ووضع خدماتها تحت تصرفات الحزب الديمقراطي الكردستاني وهذا تقليد موروث قديما في الساحة الكردستانية فعندما يختل موقع احد الطرفين المتنازعين يصطفون مع الجهة الاقوى والغالبة في النزاع . بعدها نزلت الى وادي ( دولا كوكا ) حيث مقرات حزبنا الجديدة . بعد ايام معدودات لملمنا صفوفنا بالتحرك باتجاه العمق من مفرزة انصارية مكونة من 11 رفيقا باتجاه مدن قرداغ – كفري – كالار – وهذا يتطلب المرور باربيل والعودة ثانية الى سليمانية وكركوك . والمفرزة لم تكن مؤهلة للقتال بحكم مهامها . كانت تضم الرفاق الشهيد ابو احمد – الذي كانت مهمته العودة الى الداخل – والرفاق ابو لينا وابو ناصر . رافقت مسيرة المفرزة صعوبات جدية لسببين الاول عدم وجود دليل يعتمد عليه من خلال معرفته بطبوغرافية المنطقة، أي ان يكون ابن المنطقة (كري منطقة) ملما بالربايا ومنافذ تحركات السلطة . الثاني الاضطرابات السياسية في مدن كردستان مما أدى الى المزيد من التحشدات الامنية والاستنفار العسكري . كانت المفرزة بقيادة ملازم فاضل وهو خريج دورات اليمن الديمقراطية وهو شابا حيويا وجريئا . قاد المفرزة بحرص وأمان . وبعد يوم من المسير المتواصل وصلنا الى منطقة بشتاشان وتسلقنا جبل قنديل وتمتعنا بمناظره الخلابة وذوبان الثلوج رغم معاناتنا من كثافتها في قمة الجبل . وبعضنا و كنت احدهم تجرأنا التزلج على الجليد من قمة الجبل الى قعر الوادي . والتقينا في الوادي بقوات من انصار الاحزاب الاخرى . كانوا محصورين لكثافة التحشدات الامنية والعسكرية في المنطقة وتحديدا الطريق الذي يربط اربيل براوندوز . كانت نوايا السلطة الهجوم على الوادي وعلى القوة المتجمعة فيه ,مما سرع تحركنا باتجاه قرية- ورته- من الجانب الاخر الذي يؤدي الى وادي بليسان حيث كان و مازال يعاني اهله وحيواناته وأشجاره من اثار القصف الكيمياوي المدمر الذي حول القرية الى اشباح . ولصعوبة الطريق في الوصول الى الصوب الاخر , كان هناك منفذا صغيرا عبر جسر ضيق يؤدي الى قرية ورته . ولولا ارادة الخالق لتحول هذا الجسر الى مقبرة لمفرزة شيوعية . بعد يوم من الانتظار في الوادي ولزحمة المعلومات بوجود هجوم كبير من السلطة عليه ولتبخر بعض قوات الاحزاب , دفعنا الى اتخاذ قرار بالعبور خصوصا بعد وصول دليلنا المهلهل والمرتبك . بعد مسير ساعات من الليل مشوبة بالحذر والتوتر وفي منتصف الليل اصبحنا على مشارف الطريق العام الذي يربط اربيل براوندوز . لاحظنا الاشارات بين الربايا من خلال الاطلاقات النارية وتحرك السيارات في الشارع ونحن غير مباليين لصعوبة وضع المفرزة . حيث لم نتوقف رغم خطر الموت . نزلنا الى الشارع العام وكنت مع الملازم فاضل نحتل مقدمة المفرزة في الوصول الى الجسر الوحيد الذي يؤدي بنا الى قرية ورته . كانت مفرزة من الاستخبارات العراقية بانتظارنا فوق الجسر مختبئين خلف بناية قديمة . ومنذ اللحظة الاولى حين وضعنا قدمنا انا وفاضل على الجسر صرخوا بنا بالاستسلام مع سيل من الطلقات النارية ولم يكن امامنا الا العبور الى الجهة الثانية من الجسر تحت وابل من النيران والى الآن لم اصدق كيف نجونا وباعجوبة . اما رفاقنا فقد تسلقوا القطوع وعبروا النهر سباحة . في دشت اربيل ودعنا الشهيد ابو احمد متوجها الى الداخل بعد معاناة من اورام في القدمين وبروز فقاعات واكياس مائية في رجلي بسبب ضيق الحذاء الذي ارتديه . اما الشهيد ابو احمد فهناك كانت تركة قديمة لكن لم يكن اكثر مني حظا في النزول الى الداخل . نحن واصلنا المسير الى مناطق قرداغ واستقرينا باول موقع للحزب لترتيب تحركنا الجديد الى مناطق كرميان فوجدت في القاعدة اجزاء من رواية مدن الملح لعبد الرحمن منيف – واستغليت الوقت في قراءتها . كنت انا وابو ناصر وعلي الشرطي الذي تم سحبه من قلة الخيل في ملاكات التنظيم – اعتقادا من انه سوف يسد الفراغ أثر الخسائر التي أصابت تنظيم المنطقة الوسطى بعد الضربة التي وجهت الى التنظيم في بدايات 1986 في محافظة ديالى قرية ( جديدة الشط ) .لا بد من الاشارة هنا ان البعض من الرفاق كان يعتقد وجوده داخل التنظيم المدني يضيف له موقعا مهما والبعض الاخر كان يدرك جيدا بعدم قدرته على النزول الى الداخل وهذه مهمة التنظيم الرئيسية لكن كان متشبثا في البقاء او سحبه الى التنظيم لاسباب عديدة منها الابتعاد عن اجواء الانصار والبعض من اجل مكاسب شخصية حتى البعض الح في العودة الى الداخل هروبا من حياة الانصار ولهذا كان الوقوع في يد السلطات سهلا والانهيارات كانت تحدث سريعا. علق الكادر الفلاحي – مام علي – على هذا النوع من التنظيم الذي اصبح مدعاة للتفاخر اكثر من ان يكون عملا نضاليا مقدسا . علق ساخرا ..... ان الرفاق يقودون التنظيم في بغداد عن طريق الناظور . في كرميان تحدثت مع ابو ناصر لترشيح كريم عرب الى التنظيم وكان لهذا الترشيح صلة في الحديث منذ فترة زمنية عندما كنا في بهدينان . وتم سحبه الى التنظيم وفعلا توجه الى الداخل لاستطلاع الاوضاع هناك وامكانية بقائه والعمل لكنه عاد بعد ايام لهلع الناس وخوفهم من استقبال السياسين . كريم عرب , هو عبد العظيم الكرادي بعد ايام من التحاقه في صفوف الانصار , أصيب بشظية مدفع برأسه أثر قصف مقرات الحزب في منطقة (كرجال) كنت حينها في قاعدة التنظيم المدني في منطقة (هزارستون). وقد عدت توا منه الى مقر القاطع فوجدت عبد العظيم يتلوى ألما الى حد انه دخل في غيبوبة لبرهة من الزمن. فتحركت سريعا واتصلت بقيادة القاطع لترتيب سفره الى ايران للعلاج. وبسرعة رتبت سفره ورافقته الى الحدود الايرانية باتجاه مدينة مريوان الحدودية. وضعت مبلغا من النقود العراقية في جيبه وكانت هذه النقود شخصية وتعود لي . روى لي بعد عودته من العلاج عندما كان نائما في مستشفى مريوان وشعر بتحسن حالته الصحية حيث تلمس جيوبه فوجد النقود فتسائل باستغراب من اين اتت هذه النقود ؟ وهذا يعني كانت صحته متدهوره ولم يعد يعي ماحدث له طوال الطريق الذي استغرق قرابة الساعتين . بعد الوصول الى مناطق كرميان والتي حرمنا فيها من ممارسة اي نشاط سياسي وعسكري لسنوات خلت نتيجة الاحتراب مع قوات ( أوك ) اي تنظيمات الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة جلال الطلباني ونتيجة الاحتراب المشار اليه فقد كان من الصعوبة بمكان الاتصال بالجماهير بعد ان سدوا كل اشكال التوغل الى بغداد فبقينا وبمفرزه صغيره من ابناء المنطقه متخفين عن عيون السلطة وقوات اوك على حد سواء. كرميان......... مناطق واسعة ومحاذية لمدن كثيرة مثل كركوك، كفري، كالار،
طوزخورماتو، قرة تبة وقرى وقصبات اخرى تمدك بالعلاقة بالجماهير . في صعودي الاخير الى كردستان عام 1983 كنت حينها طالبا مواظبا على الدراسة في المرحلة الثالثة من كلية الاداب – جامعة بغداد . في تلك الفترة حصلت حالات اندساس عديده داخل التنظيمات المدنية للاتحاد الوطني الكردستاني ولحساب الاجهزة الامنية التابعة للسلطة ومن بينهم المدعو انور المزوري وهو من اهالي كفري ,فاثناء وجودي عام 1982 في مناطق كردستان لمهام مستعجلة تم تشخيصي من قبل انور ,كنت حينها اتجول في القرى مع المفارز وكان معي النصيرين خضرعبد الرزاق وعبد الزهرة عباس حيث كانا ملتحقين قبل شهور قليله وانا الذي رتبت طريقة التحاقهم بكردستان , شكوا لي من ملل الحياة وطرق النضال في كردستان, وبعد فترة تركوا سلاحهم وسلموا الى القوات الايرانية باعتبارهم جنود هاربين من الجيش العراقي . لكن في اللقاء الذي تم في كردستان طلب مني خضر ان احصل له على مبلغ من المال من اهله لانهم مازالوا يستلمون رواتبه لكونه جندي في جبهات القتال طيلة فترة غيابه . بعد ايام من عودتي الى القرية سررت الدكتور عزيز أسماعيل باعتباره قريبا من نشاطي وعلى اطلاع ببعض تحركاتنا . وللأمانة لم اكن اعرف ان خضر بعد استلامه المبلغ سيسلم نفسه الى القوات الايرانية لانه يتنافى مع توجيهات منظمتنا ( الصدى ) ففاتحنا صديقنا الطبيب فالح حافظ من اهالي الزعفرانية ووجهنا له دعوة لزيارة قريتنا ( الهويدر ) وبعد ان اتفقنا على طريقة التحرك وفي الليل وبعد ان استطلعت المكان شخصيا وتأكدت من وجود اخيه فاضل في البيت , سلكنا طرق البساتين و نادرا مايسلك في الليل من المارة . بعد ان اعطيت له كلمة السر بين الاخوين , وصلنا الى عتبة باب بيتهم وأشرت الى صديق الطبيب وانسحبت الى طريق فرعي آمن في انتظاره وكنت حاملا مسدسا للطواريء . وعندما طرق الدكتور الباب خرج له فاضل وبدقائق معدودة تمكن من انجاز المهمة . وانسحب الدكتور سالكا طريقا اخرا بالاتفاق معه . وكنت انا اسير خلفه ووصلنا الى بيت الدكتور عزيز بأمان . وبعد ايام تمكنت من ايصال المبلغ عن طريق التنظيم الى الشخص المعني في كردستان وبعد استلامه توجهوا الى ايران وهذا ما لم يريح الاخرين ولا التنظيم التابع الى المنطقة الوسطى . لكن الذي حدث وهذا ليس مفاجئا لاحد ممن يتابع الوضع السياسي في ايران وتحديدا العراقين بسبب ظنك العيش وصعوبة السفر من ايران عادوا الى مواقع الانصار في منطقة كرجال موقع قيادة قاطع سليمانية وكركوك حيث لم يستقبلوهم ولاحتى سمحوا لهم في المبيت ولو لليلة واحدة ولاحتى من اجل الانتظار في الوقت الذي كان مقرنا مفتوحا للمشبوهين والمدسوسين من قبل السلطة رغم طلبهم ( خضر وعبدالزهره) أنهم جاءوا للقاء بي . كنت في حينها في موقع التنظيم المدني في منطقة هزارستون جبل ( سورين ) فتوجهوا لي لكن للأسف الشديد فان برقية قيادة القاطع سبقتهم طالبت بعدم استقبالهم بل وحتى طردهم من المقر . لكن بعد وصولهم وقفت بشدة ضد هذه التوجهات الغير انسانية تجاه رفاق الامس . فتمسكت ببقاءهم في المقر وحتى مبيتهم وهذا ينسجم مع رؤيتي للحياة والمباديء التي احملها بعيدا عن الثأر والانتقام رغم الرفض الجماعي داخل المقر . في الصباح الباكر توجهوا الى الاراضي الايرانية باسماء اخرى . في عام 1987 التحق بقاطع بهدينان رجل مخابرات لكنه من عائلة شيوعية , كانت مهمته تصفيتي جسديا حسب اعترافاتة التي قدمها الى اللجنة التحقيقية . كنت من حيث المبدأ واقف ضد تصفيته وسبق لي ان نشرت خبرا عنه حين كنت في الداخل نهاية عام 1986 في جريدة الحزب ( طريق الشعب ) . الجدير بالذكر أن السلطات الحكومية داهمت بيتهم للبحث عنه للتمويه على عمله اللاحق واعطائه دفعة للتزكية لغرض الالتحاق بصفوف الحزب الشيوعي العراقي وهذا ما تم فعلا وقد شخص بالصدفة وتعرض للتعذيب وأدلى بمعلومات خطيرة ومهمة . رغم ان اسمه كان منشورا في جريدة طريق الشعب تحت عنوان , أحذر هؤلاء . في منطقة كفري صيف 1987ويا للمفارقة العجيبة فلقد جمعتني الصدفة في بيت حزبي بالمدعو انور المزوري وعرفته بنفسي وبحضور كادر التنظيم المدني كريم كومنست وكان مندهشا وبدأ يسرد لي القصة اياها محاولا تبرئة نفسه و بسبب التعذيب الذي تعرض له في مديرية استخبارات كالار – حصل على المعلومات الشخصية عني من قبل النصيرين – سليم – أكرم .لغرض الانصال بي والحصول على مبلغ وقع بيد الاستخبارات مع رسالة شخصية موجهة لي . وبعد ضغط شديد حسب ماروى لي قاد مفرزة من الاستخبارات الى بيتنا في قرية الهويدر . ونجوت بأعجوبة بعد ان طوقت مداخل القرية ومخارجها واحتلو بيتنا لايام وبعثروا كل اشيائي الجميلة واستطاع ابن جيراننا اموري نقل مكتبتي الى بستانهم ودفنها وتلفت بتراكم السنين والرطوبة عليها . وتمكنت بنفس اليوم الوصول الى اقرب قاعدة حزبية مدنية وكنت ارتدي الملابس المعتادة في القرية . وصلت سالما الى بيت مدير بلدية كفري الشيخ عطا الطالباني ومكثت هناك 17 يوما ودارت سجالات ونقاشات عديدة حول الوضع السياسي وتطوراته واختلفنا حول رؤاه وواقعيته واحتمالاته المرتقبة والتكيف مع اشتداد الحملة والتجاوب مع المنعطفات . كان يعتبر الحوار لامتصاص الازمة والمصالحة الوطنية مع السلطة من انسب الحلول لأزمة الحزب تمهيدا للعوده الى احضان الجماهير وقيادتها .كان يعتبر التوقيع على قرار 200 السيء الصيت أبلغ الاساليب النضالية لمواجهة القمع والارهاب الحكومي , منطلقا من تجربته وقراءته للاحداث .وكان يكرر دائما السياسة فن الممكنات وهذا كان بتقديري ينسجم مع ضرورات المرحلة الراهنة . لكن بعد مرور عشرين سنة من التجربة أدركت فحوى استنتاجاته واهميتها – رغم اني كنت في البداية معارضا لها – فبحكم تجربتي انذاك أعتبرتها مساومة على الافكار والمباديء ووقفت ضدها جملة وتفصيلا واعتبرتها أراء غريبة ومتطرفة . علق الرفيق – فهد – حول التعهدات والتواقيع ,عندما يجبر الرفيق على ذلك – ان هذا التعهد لاقيمة له لانه غير دستوري – وان الرفيق زكي بسيم مر بمثل هذا الظرف وانهار في التحقيق وأعترف لكن بقيت مكانته في الحزب وهذا ينبع من حصيلة مرارة الرفيقيين في السجون وقربهم من نبض الجماهير وحرصهم على مصلحة الحزب والشعب . وهذه السجالات حدثت 1983 عندما تمكنت الافلات من قبضتهم بمساعدة المرحوم مهدي حميد السعدي بعد ان طوق بيتنا من قبل رجال الامن . تمكنت من الوصول الى بيتهم بمساعدة الاخرين . أذ تم تهريبي في باص خشبي مع اقفاص الرمان الهويدراوي الى منطقة السعدية وأخذت تاكسي الى مدينة كفري وعندما سألني سائق التاكسي ادعيت ان اختي تعيش في كفري وجئت ابلغها باستشهاد اخي في جبهات القتال . وصلت الى بيت شيخ عطا او بالاحرى الرفيق ومدير بلدية كفري – ان كلمة الرفيق كان يستحقها بجدارة – بعد ان نسبت الى كل الجحوش والجبناء . بقيت عندهم 17 يوما حيث حاول اقناعي بعدم الالتحاق بالجبل لحاجتهم لي في الداخل . سمعني بألم ماكتبه عن كوكب الشرق الراحلة ام كلثوم من خواطر وتأمل .
الهويدر
قرية قديمة وعريقة ومهمة تفع شمال مدينة بعقوبة مركز محافظة ديالى بمسافة خمسة كيلو مترات بطريق مبلط . وقد انشأت هذه القرية سنة 929 ه – 1910 م واسمها فارسي مأخوذ من ( هودار ) أي مجمع الهواء وقيل ان اسمها تركي جاء من الهواء العذب . وهذه القرية كانت قد تكونت بسبب عوامل الطمي التي حصلت لنهر ديالى بعد ان تغير مجراه. وهي عامرة بالبساتين وخاصة مزارع البرتقال والرمان والتمور بانواعه المختلفة. ولسحر عثق التمور فانه يطلع علينا أخضر اللون وبعد ايام يتحول الى ألاصفر كعناقيد الذهب . تحتوي القرية على قرابة 1200 دار ويبلغ عدد سكانها نحو ثمانية الاف نسمة جللهم من العرب, لهم تقاليدهم العشائرية وعاداتهم الاجتماعية وخاصة في الشعلئر الدينية ايام محرم عاشوراء . الهويدر تعد قرية صغيرة حصرها نهر ديالى بمنفذ وحيد يربطك بمركز المدينة وقد تبدو للمشاهد كجزيرة وسط المياه ومحاطة بكثافة البساتين . تعرضت مرتين الى تدمير طبيعي أثر فياضانات نهر ديالى . لكن بقيت ملامحها طاغية ومعالمها واضحة وحافظت على تكوينها القروي رغم الخراب الذي أصابها من أثر الفياضانات . تمسكت هذه القرية بطابعها الشيعي الحاد والذي يصل احيانا الى مستوى التقوقع رغم قربها من مركز المدينة بعقوبة . امتازت قرية الهويدر بالزراعة ونخليها المتميز وجمال طبيعتها وصفاء نهرها وطيبة أهلها . وخرجت رموز سياسية وادبية تركوا بصماتهم على مكانة القرية . امثال طلعت الشيباني وزير اقتصاد حكومة قاسم 1958 اول حكومة وطنية في العراق .وايضا خزعل السعدي القائد العسكري والسياسي وسعدون شاكر وزير داخلية حكومة البعث وشخصيات ادبية وفكرية . تكاد تكون نسبة الامية ضئيلة جدا. ومازال اسم القرية عليه افتراضات وسجالات وهناك رواية اخرى تقول ... ان الامام علي ( رض ) مر بجيشه في القرية في احدى حروبه وطلب من جيشه ان يهودروا للراحة والامان ومن هنا جاءت التسمية . وهناك رواية تقول ... الاصل كلمة ايرانية بمعنى نسيم الهوى العليل حيث تمتاز به القرية . اضافة الى امتيازهم بالطيبة والكرم من خلال تعاملهم مع الاشياء وتفاصيل الحياة اليومية . كان القادم لها من مكان اخر خارج نطاق حدودها .. يتفاجأ كباقي مناطق العراق عندما يهم بالخروج من مقهى لدفع حسابه ويكون مدفوعا من احد ابناء القرية . عام 1980 اقدم النظام العراقي على جريمة كبيرة , سادتها اجواء الرعب والحيف الذي لحق بالناس . ففي جو أرهابي اقدم على تهجير مايقارب 500 مواطنا بحجة التبعية الايرانية من اجل تصفية حساباته وخلافاته السياسية. فكان العدد الاكبر منهم ينتمون الى العراق وحاملي الجنسية العراقية القديمة ومنهم وليس قليلا من اعمدة النظام في القرية . هجروهم قسرا بعد ان اختطفوا شبابهم من ذويهم والى الان لم يذكر لهم ذكر ربما غيبوا في غياهب السجون . هجروهم بعد ان جردوهم من كل ممتلكاتهم الشخصية , البعض ماتوا على الحدود حنينا للعراق . في هذه الاجواء هب أهالي القرية لشراء ماتركوه من بيوت وبساتين وباتفاق الجميع لتكون أمانة عند عودتهم . سبق هذا العمل الهمجي حملات اعتقال واسعة في العراق شملت تنظيمات الحزب الشيوعي وحزب الدعوة في حملة تستهدف وجود احزاب اخرى تعمل في البلد وللتفرد في الساحة السياسية العراقية وتكريسا لعقدة الحزب الواحد . شملت الاعتقالات عشرات من الشباب وبعضهم غيبوا في السجون . والبعض الاخر أطلق سراحه بعد ان وقعوا على القرار 200 السيء الصيت ( الذي يحمل موقعه التبرئة من العمل السياسي ويلزمه بالعمل داخل حزب البعث ) . وكنت انا في عمر وبمستوى من الوعي لم يؤهلاني تقييم وتحليل الاوضاع بدقة كافية وواقعية . لكن مع مرور السنين تعمقت معرفتي مع تنظيم ( الصدى ) في بغداد .وكنت اتردد بشكل دائم على بيت شيخ الشيوعيين الشيخ عطا الطالباني بحكم عملي الحزبي مع أشتي والتي أمتدت لسنوات كانت صعبة جدا في الحياة السياسية العراقية وتفاصليها, لايفصل بينها الا مشاهد الدم والقتل من 1980 الى 1983 . فالظروف وتطورات البلد السياسية وقربي من هؤلاء الرفاق دعتني ان أنظر الى التطورات التي تحدث برؤية اخرى اكثر انفتاحا وتجاوبا مع التغييرات الحاصله. واعتماد المرونة والعقلانية في في التعامل مع المنعطفات السياسية وعلى ضوء الواقع المفروض في البلد خدمة للشعب والحزب والوطن . مازالت وللأسف الشديد طروحاتنا في معالجة قضايانا وعملنا الحزبي والسياسي نهمل هذا الجانب الحيوي . لو نلاحظ خطابنا السياسي في الفترات الاخيرة من عملنا تنقصه الحنكة والسياسة في التعامل مما جعلنا نخسر العديد من الرفاق الذين يأسوا من النضال والميل الى العوز, وابعدنا مسافات عن مزاج الجماهير ونبض الشارع الذي هو روح الحزب ورصيده المعنوي والمادي . ان واحدة من انجازات وثمرات الجبهة الوطنية مع البعثيين عام 1973 هي اتساع تنظيمات الحزب في عموم العراق فكان لقريتنا نصيبها الواضح باتساع تنظيمات الحزب من خلال التحاق طاقات شابة وواعدة بركب التنظيم مما ادى الى استفزاز القوى التي تنظر الى هذه الممارسة بريبة وحذر . اما الان فلقد تبخر العديد ويتحمل حزب البعث المسؤولية الاولى لما تفرد به من حل للخلافات بطرق الارهاب والقمع بدلا من اسلوب مواصلة الحوار والتفاهم ,وبهذا يكون قد قضى على بوادر طيبة في العمل السياسي لمستقبل العراق . كما لانعفي انفسنا كشيوعيين من المسؤولية بسبب سياستنا الخاطئة وخطابنا السياسي الذي لايمت الى الواقع بصلة . في صيف 1988 وفي دمشق كنت عائدا من تجربة مرة من داخل الوطن حيث جمعتني الصدفة باحد الرفاق من اهالي السماوة المعروف بابي حازم , ومن خلال استقراء اللوحة السياسية العراقية كان محمل الوضع اكثر من الواقع حاولت ان اقرب له صورة الناس في الداخل ورؤيتهم للعمل السياسي والموقف وانعكاساته السلبية من الخروج الجماعي خارج العراق ,وكانت الايام هي الكفيلة بالرد على تصورات الاخرين . تعود بي تجربة العمل السياسي في العراق الى عام 1979 والهجمة الشرسة في القضاء علينا كتنظيم ووجود ,وردا على هذه الهجمة وتنظيم صفوفنا , صدرت وثيقة حزبية (( مناضل الحزب )) من قبل الرفيق باقر ابراهيم في الداخل وفيما بعد عرفت من ابو خولة أن الرفاق الشهداء صفاء الحافظ وصباح الدرة مساهمين فيها وكان الهدف من اصدارها هو لرأب الصدع في العلاقة مع الحزب الحاكم من خلال رؤية سياسية واقعية اعطت حلول لازمة مشتعلة وكنا نحن وقودها واشعلتنا بنارها جميعا واصبحنا رمادا حتى بدون ومضة شرارة . في تجارب العمل السياسي وما يحرك اجندته كان من الممكن كسب الوقت من خلال المناوره في ظروف قد تكون اكثر نجاعة من المواجهة نفسها . في عام 1982 وفي مهمة خاصة الى الاراضي المحررة ( وفي وقتها انقطعت ايام من الجامعة ) وجدت رفاقنا بتصورات بعيدة عن واقع الحياة السياسية في العراق . كانوا يناقشوني بان النظام على حافة الهاوية فتعجبت لهذا الطرح وهم ايضا تعجبوا من طرحي بان النظام قوي ويحتاج الى سنين من التضحيات والنضال حتى نستطيع ان ننال منه . تعود قوة التنظيمات السياسية المعارضة في القرية بكل أطيافها والوانها الى الطابع الاجتماعي والديني لسكان اهالي القرية فتنظيمات القوى الدينية كانت الابرز من خلال احتدام المواجهة مع السلطة وهذا مرتبط بالتركيبة الاجتماعية لاهالي القرية. كانت لقوة الحدث التراجيدي في يوم عاشوراء انعكاساته الواضحه على تفكير الناس ومعتقداتهم . تتفرد القرية في تجسيد هذا الحدث بكل مأسيه وصوره المحزنة على ارض الواقع من خلال التقاليد والتشابيه المحزنة والتي فاقت كل التصورات والوقائع مما اثارت حفيظة كل الانظمة المتعاقبة على العراق . يبرز اللون الاسود ويحتل نفوس الناس ويغطي الجدران والاعمدة والشوارع . والسواد هو الذي لايميز الناس بين بعضهم ,حزن شديد وبكاء في كل زاوية وركن من القرية مكتسحا الوجوه جميعها . السواد يعم كل اهالي القرية من طفل عمره سنة الى اكبر شيخ فيها . لافتات تنادي بالثأر لقتلة الحسين وتغلق المحلات وتغص القرية بالزوار من خارجها وتفتح امامهم بيوت القرية لتناول وجبات طعام دسمة ومتنوعة لاجل الحسين وصحبه وانتقاما من قتلته .أماكن تصرخ وعزاء ونواح ولطم في زوايا القرية وبيوتها . تشابيه تقلد وتمثل مقتل القاسم وعطش العباس ومأساة عبدالله الصغير ,الذي قتل في واقعة الطف مع أهله وناسه . الامام الحسين كان صاحب رسالة انسانية بثورته ضد الطغيان والظلم وحري بنا نحن اليساريون أن نستشهد بها في الدروس والبلاغة . يبقى الناس ملتزمين بلباسهم الاسود حتى حلول يوم الاربعين حيث تغلق المدارس وتعطل مرافق الحياة وتبدأ السيارات بنقل الناس الى كربلاء ليسطروا مشاهد قتل الحسين وصحبه .وعرفت القرية بسبب من تمثيلها لهذا الحدت المأساوي .ويعد عزاء الهويدر متميزا ومشهودا له . قال لي الصديق محي الاشيقر نقلا عن والدته ان الهويدراويون يلطمون من كل قلوبهم وموجوعون . عام 1980 السنة الاولى في الجامعة كان الاستاذ جليل كمال الدين ,أستاذ الادب المقارن يسأل الطلبة عن سكناهم ,قال لي معلقا ان عزاء الهويدر مؤلم في كربلاء . والهويدر تعد اخر معقل تم القضاء فيه على هذه الاحتفالات حين صدر القرار من السلطة العراقية بالغاء هذه المظاهر. كانت ايام عاشوراء تجسد وتمثل من قبل الشيوعيين والقوى الاخرى. اعود الى القرية وتاريخها حيث فتحت فيها اول مدرسة ابتدائية سنة 1920 , كانت هناك قبلها مدرسة أهلية ويدرس فيها على طريقة الملا تسمى اليوم مدرسة الهويدر الاولى للبنين ومازالت وكنت احد خريجيها ولها الفخر والمكانة في بث روح العلم والمعرفة وفي تخريج نخبة من المتعلمين والمثقفين . أهم ما تشتهر به الهويدر هو البرتقال وبودنا ان نذكر ان هناك انواع جديدة من البرتقال دخلت زراعتها في الهويدر نذكر منها , برتقال دموي , لالنكي هرفي . ويوجد في القرية مستوصف صحي . وهي مضاءة بالكهرباء ومشمولة بمشروع ماء بعقوبة الموحد وفيها سوق يحتوي على دكاكين كبيرة وتوجد فيها مقاهي جميلة وواسعة . نحن الشيوعيون فهمنا للتراث والواقع كان مغلوطا وهذا متعلق بدوافع الانتماء للحزب فكان في الاغلب لم ينم عن وعي ودراية بل كان عبارة عن دوافع ولائية ولاتخلوا من دوافع عشائرية . وبعد حفنة من السنين والتجارب تحضرني واقعة للدلالة – حول الانتخابات السويدية – حيث ذهبوا جميعا الى صناديق الاقتراع حتى ممن لايعرف ان يقرأ لانتخاب حزب اليسار حتى بدون مراجعة بسيطة لبرنامجه الانتخابي فضلأ عن انه مرتعا للصهيونية . تفرد الشيوعيون بميزتيين , تجلتا أكثر سطوعا في المهجر وهما عدم الوفاء لرفاقهم – رفاق الامس يجلدونهم اذا اختلفوا في الرأي معهم وثابيا انهم غير معنيين بتاريخهم ولامبالين به ,لم يكترثوا بتقليب ونبش صفحات ذلك الارث النضالي والانساني الذي لفه النسيان المتعمد والغموض لمدة 70 عاما ,ممن تجرأ وكتب , سفهه وحوصر لانه لايتفق مع السياسة العامة لذلك النهج السياسي الذي أجبرنا على الادمان عليه . قضيت عدد من الايام في بيت شيخ عطا في مدينة كفري . ولدواعي أمنية أضطررنا التوجة الى تكية الطالبانيين في مدينة كركوك مع الشيخ وزوجته ام كوران وبنتهم شيلان , وهناك التقيت برفيقي – أشتي – لمدة يومين ودارت نقاشات واسعة ومؤلمة . توجهت فيما بعد الى مناطق كردستان ( شهرزور ) المحررة وبمرور الايام وبطؤها , بدأت الاسئلة تحاصرني بحثا عن أجوبة قريبة وواقعية . هل تؤدي بنا هذه الطرق الى النيل من النظام وغطرسته ؟ بدأت صفحات من المعاناة والتسائل وارتداد في المواقف والمعنويات , حيث مسيرة الحياة وتكرارها واساليب العمل وتخلفه عن مواكبة التطورات وانعكاساتها على مزاج الناس وهموم حياتهم . مراحل نضالنا مرت بتقادم الايام بعيدة كل البعد عما نصبوا اليه ونطمح لتحقيقه من اهداف معلنة . بمرور عام على وجودي في كردستان تلقيت أكثر من رسالة وأشارة من الرفاق في الداخل باتجاه العودة ثانية الى بغداد وكانت أخرها رسالة الدكتور (جهاد) طمأنني فيها بتوفير مستلزمات التحرك وضمان وجود سكن في بغداد . لكن من الاسباب التي عاقت هذا التحرك والتوجه الى بغداد هو التمرد الذي وقع في قاطع سليمانية عام 1984 والذي كان من الممكن أحتوائه , لكن للأسف الشديد هناك من كان يدفع الامور الى لحظة التصادم والاحتراب . قاد ملا علي بالتنسيق مع بهاء الدين نوري مجموعة من البيشمركة وكوادر حلبجة وشهرزور باتجاه دشت شهرزور معلنين تمردهم بتحقيق ان يعقد المؤتمر الرابع للحزب ومحاسبة بعض رفاق قادة قاطع سليمانية وكركوك . اما بهاء الدين نوري فقد بقى في مقر القاطع في منطقة كرجال يسخر ويعلق من ردود الفعل وطرق معالجتها . كانت تربطني علاقة طيبة بالرفيق بهاء الدين نوري فعندما سمع بأنني سوف اتوجه بأول مفرزة الى موقع الاحداث تلاطف معي قائلا نحن في انتظاركم ان تجلبوا لنا رأس صدام حسين ( سوف انشر في الصفحات الاخيرة من الكتاب أخر رسالة وصلتني منه وهو يستعد للسفر من ستوكهولم الى كردستان الحبيبة وكانت هي الأخيرة , ينقل لي فيها مشاعره ورؤاه النضالية للمستقبل ). توجهت مع اول مفرزة بقيادة ابو لينا ( محمد النهر ) المسؤول السياسي في القاطع مع الشهيد ابو عناد الى مناطق شهرزور. جميع القوى كانت تتمركز هناك , المتمردة والمواليه . كان الهدف الاول هو شق صفوفهم من خلال التحرك على بعض الرفاق بالتخلي عن المجموعة المتمردة من خلال الحوارات والاجتماعات التي كانت تعقد في القرى امام مرأى ومسمع جماهيرنا . كنا رفاقا بالامس واليوم فريقيين متحاربيين . الجميع متوتر ومستعد للقتال والحوارات جارية على قدم وساق , ربما طلقة واحدة حتى لو كانت عن طريق الخطأ ستؤدي الى ماسأة وكارثة مرعبة . وبعد وصول التعزيزات لنا بقيادة ابو تارا المسؤول العسكري للقاطع مع قوات من الفوجين السابع والناسع . اخذت الامور منحى اكثر خطورة حيث القوى المتمردة انسحبت الى القرى المجاورة ,وهنا بدأت لعبة ( القط والفأر ), نطارد بعضنا ونتربص ببعضنا الاخر . ترد لنا معلومات بوجودهم في قرية ما ,نتحرك باتجاهم ,يتركوه قبل وصولنا لهم وهذا ما تم معنا ايضا . حسمت هذه اللعبة بوصول معلومات لنا وهي أن هناك نيه في شن هجوم علينا بقوات معززة من الاتحاد الوطني الكردستاني والمسمات بقوات ( أوك ).أتخذ قرار بالانسحاب فهزمنا , وقد سادت الفوضى والارتباك صفوفنا , ظللنا الطريق بالرغم من اننا كانا نسلكه يوميا . عبرنا في نفس الليلة باتجاة مقراتنا – عبر ممر قرية شيلمر – الطريق العام بين حلبجة وسليمانية . الاستياء والتذمر واضح على الجميع . القينا باجسادنا في مسجد القرية للراحة ومع طلوع الفجر تسلقنا الجبال باتجاه مقراتنا على الحدود الايرانية . سكنا في شريط حدودي مع ايران في منطقة تدعى(كرجال) واصبحت تحركاتنا محدودة وانصب اهتمامنا على البناء والتموين . كان لنا منفذا يكاد ان يكون الوحيد للاتصال بالجماهير و هو مصيف ( أحمداوه ) المحاط بالربايا الحكومية. كان عدد العملاء والوكلاء داخل قرية المصيف ليس بالقليل ولمرة واحده فقط جربنا التحرش والتعرض لهذه الربايا لانه في الاونه الاخيرة زادوا من كمائنهم ضدنا فوق ممرات وطرق تسلكنا الى القرية مما عاق ذهابنا الى القرية التي تعد مصدرنا التمويني والجماهيري الوحيد . في مساء خريفي تسلقنا الجبل حاملين معنا مدفعا بعيار 82 ملم . كنا اربعة رفاق ابو تارا المسؤول العسكري للقاطع , ابو مناف , ابو حاتم وانا. نصبنا المدفع في كتف الجبل وضبطنا الحيثيات ووجهنا فوهة المدفع باتجاه الربايا الحكومية واطلقنا قذيفتيين باتجاهها . في اللليل سمعنا من نشرة الاخبار الرسميه العراقيه , ان العدو الفارسي المجوسي قصف بشكل عشوائي قرى بيارا وطويلة مما سبب أضرار بالمدنيين , انهما كانتا قذيفيتينا . ان القضية الكردية شغلت مكانا مهما في مشروعنا السياسي والفكري , عبرنا عنه بكل مصداقية ووضوح ودافعنا عن حقوق الاكراد القومية بمبدئية وعناد وهما أقترنا بهموم شعبنا وتطلعاته لغد أفضل وهذا الخيار يشكل جزءا من تكويننا العقائدي , لكن وللأسف الشديد لم يرتقوا الى هذا المستوى من التطلع والاحتضان . كانت نظرة رفاقنا الاكراد لنا حيث تقاسمنا معهم المعاناة والاستبداد والجوع في كردستان لا ترتقي بمستوى هذا الهم والوجع , ويعبرون عنه في مناسبات عديدة – عن عدم رضاهم علينا – وتفاعلهم مع قضايانا الوطنية والقومية . وأدت هذة الافكار الضيقة وروح التعصب القومي الى الاعلان عن ولادة حزب شيوعي كردي مما وضع شرخا في تاريخ الحركة الشيوعية العراقية . يقول لينين .... وجود حزبين شيوعين في بلد واحد حتما يكون احدهما على خطأ. عام 1984 والمكان قاطع سليمانية وكركوك ,أكتشفت شبكة تجسس داخل مقراتنا لصالح النظام العراقي . كان العدد الاكبر من الرفاق الاكراد قد تم اعتقالهم الا البعض منهم تمكن من الهرب .وبدأ التحقيق معهم وظهرت اعترافات جديدة امتدت الى أهالي القرية. كان الملا دانه ممولنا التمويني وصاحب الدكان في قرية (أحمداوة) هو خط الاتصال الساخن بهذه الاحداث وتم زج النصير منير ( ابو أنور) في السجن جورا وقسرا ولاعتبارات لا تخلوا من نوازع قومية شوفينية, انتهت بالاعتذار منه . في معمعة هذه الاحداث وضبابيتها كان لنا في المقر أسيريين المانيين, تم أسرهما في واحدة من عمليات الانصار, وكانت هناك مفاوضات جارية للافراج عنهما وبتدخل أقليمي . تعرض مقرنا الى قصف مدفعي ولاول مرة يصيب هدفه بدقه وبوقت تجمعنا على الغذاء والراحة وسقطت قذيفة واحدة لاغير من القذائف التي أطلقت علينا وسط تجمعنا مما ادت الى استشهاد الرفيق درويش وقتل ايضا احد الاسرى الالمان في الوقت الذي كنا نستعد فيه الى تسليمهم الى السلطات العراقية وكنت انا من المكلفين بالموضوع .في اليوم التالي ذهبت مع اسير واحد لتسليمه الى القرية ليأخذ طريقه الى مدينة سليمانية وكان جريحا .طيلة مسافة الطريق كنت أكرر عليه ان صدام هو الذي قتل رفيقك وجرحك . وفي مستشفى سليمانية حاول الاعلام العراقي ان ينتزع منه تصريحا يشير الى تعرضه للتعذيب ونحن من قتل رفيقه قبل اطلاق سراحه , كان رده لهم انتم من قتلنا ويقتل الناس . أشرفت على التحقيق قيادة قاطع سليمانية وكركوك ,لكن بعد ايام اخذت العشائرية والمحسوبية دورها الفعال اما المبادىء والقيم النضالية فقد ركنت جانبا من خلال تمييع وتسويف القضية وعدم متابعة اعترافاتهم . بدأت تتوافد على مقرنا وفود عشائرية وسلطوية وتعقد صفقات مساومة مع أعضاء قيادة القاطع احمد باني خيلاني وابراهيم صوفي . وادت هذه الصفقات الى تهريبهم بحجة أنهم استطاعوا الفرار من الاعتقال . ولي هنا موقف نابع من انتمائي وحرصي على التجربة التي يتطلع لها الشعب العراقي بفخر واعتزاز . وهذا الموقف تحملت بسببه تبعات سيئة لكن اعتبرته جزءا من مهامي المبدئيه والوطنية وغير نادم عليه وحتى في حينها دافعت عنه بصدق ,مستذكرا رفاقنا وعمليات التعذيب التي يتعرضون لها يوميا في اقبية المخابرات وشهدائنا الذين سقطوا تحت هذا التعذيب . في يوم متميز في حرارته من عام 1984 , كنت في قرية ( أحمداوه ) لمهام ادارية واستطلاعيه وبعد انتهاء المهمة وخلال صعودي الى مقر القاطع عبر ممرات وشلالات وبساتين مصيف أحمداوة الغني بفاكهته المتنوعة وشلالاته الساحرة ومناظره الخلابة ولشدة الحرارة والتعب أحتميت بالفيء وتحت ظلال احد اشجار الرمان والتي منحتني دفأ وحنينا الى قريتي وأهاليها الهويدر ولتنوعها وتميزها بفاكهة الرمان . يقول العراقيون ( عندما تدخل الفاكهة الى المعدة تسلم على القلب – اما فاكهة الرمان فالقلب يسلم عليها ) . في تدفق هذه الاحلام ورومانسية الاجواء القادمة من اصوات خرير الشلالات , سقطت عيني على خيانة تهريب السجناء من قبل قيادة قاطع السليمانية , حيث قادهم النصير سالار – خريج الاقتصاد الاشتراكي من المدرسة الحزبية في بلغاريا – ومعلمي في تعلم اللغة الكردية بهدف ايصالهم الى اقرب نقطة من المدينة . عبروني ولم ينتبهوا الى وجودي , حزنت على الايام وعلى مستقبل التجربة . بكيت وعادت بي السنين الى الوراء ألما وحزنا على رفاقنا الذين غيبوا في اقبية التعذيب ,هؤلاء الخونه هم الذين سرقوا مشروعنا وسمسروا باحلامنا ودفعونا الى ان نعيد النظر في مبادئنا , وحرفوا مباديء الحزب تحت مطاليبهم ونزواتهم .مما زادني حزنا في اليوم التالي انهم أشاعوا وبصفاقة ان السجناء هربوا وجوقة المتملقين والطبالين عزفوا على هذا الايقاع ,بنوطة رائحة الخيانة . تحت ظلال هذه الاحداث . عقد اجتماع موسع لقيادة الافواج والكادر الحزبي في مقر القاطع , نحرت الذبائح لاستضافة المجتمعين وهذا تقليد مألوف في حركات الانصار . في اليوم الاول التقيت ابوعادل الدكتور والمستشار السياسي للفوج الخامس عشر وتحدثنا عن الوضع ومن خلاله وانسجاما مع افكاري وحبي للتجربة سررت له مارأيته حول تهريب السجناء وخطورة هذا المنحى التأمري وانعكاساته التدميرية على أفاق تطور حركة الانصار – تسمر مستغربا لحديثي – في الوقت الذي كانوا يناقشون في الاجتماع الموسع أثار وتداعيات هروبهم من السجن . عاد الى الاجتماع وفي جعبته هذه المعلومات وحسب ماروى لي فيما بعد حين طرح الموضوع في الاجتماع على الجميع, صعقوا لهذه المعلومات , لكنهم تركوا الموضوع جانبا وفتحوا تحقيقا معه حول مصدر المعلومة , فاعترف سريعا ان المصدر لطيف – ولطيف هو الاسم الحركي لي- حملته في اول يوم وصولي الى كردستان ومنحه لي الشهيد البطل وقائد تنظيم المنطقى الوسطى الرفيق ابو جلال الذي استشهد في الداخل عام 1986 . بعد الافصاح عن هذه المعلومة الخطيرة والجريمة الكبيرة التي طويت مع كان واخواتها والى الابد . اصبحت من المغضوب عليهم وسرعت في ترحيلي الى التنظيم المدني , الذي كنت اساسا محسوب عليه . التحقت برفاقي في التنظيم المدني الى جبل سورين في كهف ( هزارستون ) وتعني بالكردي ألف عامود (دنكة) كانوا شبه معزولين وسط ربايا السلطة ومواقع الجيش الايراني . ومن الرفاق الذين كانوا في الموقع وسقطوا شهداء . ابو احمد من ناحية الدغارة استشهد في الداخل . ابو سرمد من نفس الناحية استشهد في بيته في مقاومة بطولية . ابو احمد ( بختيار عرب ) استشهد في كردستان ,ابو سالار استشهد في الداخل , أشتي استشهد في كردستان , عمر ( ابو علي السماك ) استشهد في قضاء الصويرة , الشهيد يوسف عرب استشهد في مدينة حلبجة واخرون ممن جسدوا ملاحم بطولية في مواقفهم واستشهادهم . ان موقع هزارستون – موقعا متداخلا وحساسا بسبب وقوعه وسط الربايا العراقية والمعسكرات الايرانية مع تنظيمات الاحزاب الاسلامية الموالية لايران , مطل على ممشى وممر عبور المهربين وعملاء السلطة والهاربين من بطش النظام الى ايران . كنا محاطين بالجنود الايرانين وسط مواقع الاحزاب الحليفة . كانوا يشقون الطرق ويحددون المواقع ويضعون علامات الدلالة الى محافظات النجف وكربلاء المدن العراقية المقدسة . كان الجنود الايرانين موهومين ومظللين وهم يحملون في ارقابهم مفاتيح الجنة ولايحملون من العتاد سوى ما يساعدهم للدفاع عن انفسهم . شهد هذا الموقع وتحديدا في فترة وجودي واقعتين ... كان الرفيق ابو احمد ( بختيار عرب ) المسؤول الحزبي للموقع ,رفيق دمث وشجاع وعملي والعديد من الشيوعيين يتحلى بهذه الصفات لكن عندما تناط لهم مسؤولية ما وحرصا على هذه المهمة يبدون سلوكا مغايرا , اضراره تتشظى على الجميع وابو احمد واحد من هؤلاء , قد يكون بحكم الظروف التي نعيشها ولاسيما هناك من يدفع الامور بهذا الاتجاه كوننا عسكر , ففي اجتماع حزبي لتقييم الوضع السياسي ومجريات التطورات في البلد بقيادة الشهيد , لم نمهله حتى فرصة التحدث حول الوضع وبعد كولسة وتأمر سيقتا الاجتماع وبتأثير مباشر من بعض الرفاق تم رفضه بالكامل كونه مسؤولا سياسيا بالاجماع وتم عزله بالكامل من قبل المجتمعين . وهنا اسجل نقدا شديدا لنفسي لتبني هذه الخطوة الغير حضارية ,ولكن ربما اشفع لنفسي لهذا السلوك الغير معهود بسبب صغر سني وقلة تجربتي في العمل . في اليوم التالي وفي الصباح الباكر حملت المحضر مع البريد الحزبي وبعد عدة ساعات سلمته الى المسؤولين في قيادة سليمانية وكركوك وكان ردهم سريعا باعتباره سابقة خطيرة في العمل التنظيمي وتعاملوا مع الامر باعتباره واقعا وقبل على مضض , ومع المزيد من جانبهم بالضغط وشد الخناق علينا ومحاربتنا بكل الوسائل والطرق المشروعه والغير مشروعه وكأننا جهة معادية وتم استدعاء الرفيق ابو احمد الى المقر وارسل فيما بعد الى ايران للعلاج والراحة . الحدث الاخر الذي يستدعي الوقوف عنده ايضا , في ربيع 1985 وفي اجتماعنا الدوري لتقيم ودراسة التطورات السياسية والعسكرية في المنطقة , طلعنا بعد نقاش مستفيض وفي ساعة متأخرة من الليل لاوضاع المنطقة والتحركات المحيطة بها بنتيجه مفادها : ان الوضع يعمه الهدوء والامن ولاتوجد أي مؤشرات وبوادر لتحركات عسكرية معادية في المنطقة – هذا ماخرجنا به في الليل – اما في الصباح فكان يخفي لنا عكس توقعات الليل فبينما كنت أهيأ نفسي للتحرك الى مقر القاطع ,حاملا لهم محضر الاجتماع وتفاصيله التي تشير الى هدوء الوضع في المنطقة باغتتنا القوات العراقية في احتلال اهم الرواقم في المنطقة والدبابات تدك في المواقع الايرانية التي هي خلف مواقعنا وموقعنا من الناحية العسكرية اصبح ساقطا بيد القوات العراقية رغم عدم دخولهم مقرنا ,وفي حينها كان يهمهم المواقع والرواقم الايرانية . ولم يمض على اجتماعنا الا سويعات والقوات الخاصة بقيادة علي عربيد عميد أمر لواء مغاوير ينتمي الى عشيرة المحمداوي من مدينة العمارة قد قتل في ظروف غامضة ودفن في مقبرة كركوك حيث سكناه . وهو الذي قاد عملية الانفال ودخل الى مقرات الاتحاد الوطني الكردستاني في سركلو وبركلو بعد أن أجتاح مقراتنا . تجتاح المنطقة جبل سورين ووديانه . تحت شدة القصف وضراوته واحتدام المعركة انسحبنا من المقر باتجاه الجبال والوديان مخلفين في المقر حاجاتنا الشخصية , توزعنا على عدة مواقع وكان معي في الموقع ملازم كرم (ابو الفوز) وكنت احمل ناظورا وشاهدنا كيف تتسلق القوات العراقية رواقم الايرانين التي احتلت من العراق في فترات سابقة من فصول الحرب العراقية – الايرانية . وبعد السيطرة على الرواقم وتسليم الجنود الايرانين الى القوات العراقية , وكانوا يحملوهم وهم احياء ويرموهم في الوديان مع اصوات الاستغاثة الذي يكسر بصداه الهدوء ,صادفنا ضابطين ايرانين فرا من المعركة بعد ان حوصروا وتمكنوا من الخلاص باعجوبة باسلحتهم الخفيفة وطلبا مني الناظور الذي كنت احمله لرؤية مصير جنودهم . في البداية ترددت لحسابات جمة لكن بعد الحاهم علي اعطيته لهم وعادوه سريعا وكانوا مشدودي الاعصاب فذهبوا باتجاه الاراضي الايرانية . اما مصير محضر الاجتماع فمزقته ورميته في الوديان وبدون اي ذكر له ,الى يومنا هذا . بقينا مختفين في الجبال بدون أكل وشرب بانتظار سدول الليل لنتمكن من الانسحاب تحت ظلال ظلامه ,لكن مع حلوله بدأت قذائف الجيش العراقي في التنوير برمي القذائف التي تنفلق فوق رؤوسنا مما ادى الى اعاقة حركتنا وبطأ في الانسحاب .ومما زاد الامور تعقيدا وبطأ هو كمائن ومفارز البازدار ( حرس الامام الخميني ) الذين استنفروا في المنطقة معززين بقوات اضافية مع بعض المناوشات العسكرية التي لم تحقق شيء يذكر لهم . تحت هذه الجواء انسحبنا الى مناطق (باني شهر) قاصدين مقرات رفاقنا في الفوج التاسع لانصار حزبنا . تمكنا من الوصول بعد منتصف الليل منهكين من التعب والجوع . في الصباح الباكر استلمنا برقية سريعة من قيادة القاطع تقول ( ان انسحابكم كان هزيمة سياسية وعسكرية لوجهة الحزب ولارجاع وجه الحزب ما عليكم الا العودة ثانية الى الموقع لسحب ممتلكات الحزب ). ممتلكات الحزب ووجه الحزب كانت عبارة عن تسعة صواريخ بازوكا فاسدة , حتى ان الجيش عندما دخل المقر في نفس الليل , صادر ممتلكاتنا الشخصية وترك الصواريخ في مكانها . اما قوات الحزب الاشتراكي ( حسك ) بقيادة الحاج محمود فقد سبقتنا في الانسحاب مع بقايا القوات الايرانية المهزومة . على ضوء برقية القاطع عقدنا اجتماعا عاجلا في مقر الفوج التاسع لمناقشة البرقية ولو اخذنا في نظر الاعتبار الاصول التنظمية فقد كانت الاغلبية ضد العودة ثانية الى المقر, مما يدحض فكرة العودة الى المقر وسحب الممتلكات , لكن للظروف المحيطة بنا ولاعتبارات سياسية واخلاقية أتخذنا نحن الاربعة قرار العودة بغض النظر عن كل النتائج . تطوعنا اربعة رفاق وهم لطيف , ابو حاتم , د ابراهيم والشهيد أشتي . ورغم حدة النقاش والسجال بقى اكثر الرفاق متمسكين بعدم العودة وبذرائع مختلفة قد يكون بعضها واقعيا ,عندما ضغط ابو حاتم على ملازم كرم بمرافقتنا باعتباره ضابطا خريج اليمن الديمقراطية علق قائلا ان كلمة جبان اهون من الانتحار . لكن الذي حدث ولفت انتباهنا والذي لم يعد مألوفا في حياة الانصار . هو ان رفاقنا في الفوج التاسع وهم اصلا اولاد المنطقة ; مام سردار ; احمد رجب ;عمر حامد واخرين لم يبادروا حتى بالسؤال عن حاجتنا للمساعدة ; ولو دعمنا معنويا في الليل تحركنا نحن الاربعة نحو المجهول وسط جبهة حرب ساخنة بين دولتين حيث المعارك مستمرة وعادت طاحنة بين الجيشين . سلكنا طرق غير مسلوكة سابقا ,لانه طرقنا كانت مكشوفة وتحت رحمة المدفعية العراقية, ومع هذه الاحترازات العالية تعرضنا الى تفتيش واستفسارات في اكثر من موقع ايراني . وبصعوبة بالغة تمكنا من اجتياز كل الصعوبات والمخاطر في الوصول الى موقع مقرنا فوجدناه منهوبا ولم يتركوا لنا شيء من حاجاتنا الشخصية , كانت في عهدتي كاميرا تصوير صغيرة تعود الى الرفيق محمد اللبان والتي بدورها سرقت ايضا. وجدنا بطانيات نومنا ملفوف بها قتلى , ولحلكة الظلام لم نتمكن من ان نميز هل كانوا قتلى ايرانين ام عراقين ؟ ساد في وسطنا شيء من الارتياب. وبخطوات سريعة سبقت سرعة التنوير العراقي تمكنا من سحب صواريخنا الفاسدة .وباعادتها يكون قد اعدنا وجه الحزب ,كما جاء في تذيل برقية القاطع الموجه لنا . أ ستغرقت عملية سحب صواريخنا الفاسدة 12 ساعة بينما في الاوقات العادية يقطع الطريق بساعتين فقط. صادفنا في طريقنا ( فيطو وصبحة ) وهما الحماران الذان كنا لانبخل في استخدامهما في واجبات المقر ,من احضار الحطب والتموين والماء للمقر ومستلزمات أخرى . وسمين بهذه الاسماء نكاية من فيطو التكريتي مسؤول نادي الصيد وصبحة والدة صدام . مرت ايام معدودة وتم توزيعنا على الافواج والمقرات وكان نصيبي الفوج الخامس عشر وموقعه لايبعد الا أمتار عن مقر الفوج التاسع , يكادا ان يشكلا زاوية حادة مقدارها 180 درجة . كان الفوج الخامس عشر يترنح تحت وطأة الصراعات والتناحرات الطائفية بين كردي وعربي ونحن اصحاب مشروع وقضية وانتماء ومصير واحد . أما النظام العراقي وجيشه فهو مستمر في خططه لاجتياح المنطقة بعد التحركات الايرانية المريبة في شق الطرق وتعزيز القوات الايرانية , لكنها انهارت سريعا ,وفرت بترك مواقعها في ليلة واحدة بعد ان استغرقت شهور في بناء الرواقم والربايا . امام كل هذه الخطط والتحركات للجيش العراقي , لم نكن نملك معلومات كافية تفيدنا في رصد هذه التحركات , اي يمكن القول انها في مستوى الصفر . كنا في وادي ( خور نوزان ) عددنا يصل الى السبعين مقاتلا وكنا معرضين يوميا الى التنوير والقصف المدفعي , وهذا واقعا مألوفا في حياتنا , وبمرور السنوات أعتدنا عليه . يوميا وفي كل ليلة كنا نخرج اربعة رفاق من الحزب الشيوعي مع مفرزة من الحزب الديمقراطي الكردستاني ( نوجة خانقين ) نكمن في راقمين مطلين على الشارع العام بين مدينة سليمانية وحلبجة , أي أكثر قربا الى مدينة حلبجة والرواقم عبارة عن ربايا عراقية سابقة تركت من الجيش العراقي لشدة مخاطر الهجمات الايرانية في الجنوب . كانت المسافة بين الراقمين يمكن ان ترى بالعين المجرده وهما الاكثر قربا من منافذ تقدم الجيش العراقي وتحركاته . شكا رفاقنا الى قيادتهم لاكثر من مرة ورجوهم بتوخي الحذر واليقظة من اهمالهم وعدم الالتزام بالالتحاق في واجبهم الليلي والذي تكرر في الاونة الاخيرة . وفي ليلة قمرية من يوم الاربعاء وصوت فيروز يصدح ... ياجبل البعيد خلفك حبايبنا ... من اذاعة الكويت , يشجن فينا ذكريات الاهل والاحبة والحنين لهم والى ماضي نستمد منه الروح والحياة لمواصلة الغد تحت تلألؤ النجوم الساطعة , تخلفت مفرزة الحزب الديمقراطي الكردستاني عن الالتحاق بالربية ,تجاوزنا الموضوع بالسخرية والنكات . ربما كان هناك فخا منصوبا لنا , رافقتها ليلة هادئة غير معهودة , لاصواريخ تمر فوق رؤوسنا لتدق مواقع الايرانين ولاتنوير يضيء ظلامنا. . وصلنا الى موقع الربية وكنا اربعة رفاق وكان ابو زاهر عضو مكتب الفوج مسؤول المفرزة , وفي هذه الليلة انشغل بالنا بسبب عدم التحاق مفرزة الحزب الديمقراطي الكردستاني بموقع الربية . كان موقع ربيتنا مكانا عاريا من تحصينات المناورة والأمان ويفتقد الى ابسط مقومات حرب الانصار ,قمة جبلية جرداء لايحميها غير الليل والظلام , اللذان يمنحاننا القوة وحرية الحركة والاستطلاع .اما موقع ربية الحلفاء التي هجروها في تلك الليلة المقمرة. كان موقعا لربية عسكرية عراقية اخليت لشدة المعارك في الجنوب مع القوات الايرانية .كان موقما محصنا عسكريا , معدا لجبهة قتال . كان موقعا مشرفا على طريق انسحابنا في حالة وقوع هجوم او تقدم نحونا , ويشكل ممرا لعبورنا الوحيد الموصل الى مقر القاطع على ضوء الخريطة الجديدة للمنطقة , لو لم تخل هذه الربية من جنودها لكانت هناك طرق وتحولات جديدة . بدأنا واجباتنا في الساعة الثانية عشر ليلا بعد تمتع جميل وممتع بضوء القمر ولوحة النجوم وصوت فيروز يكسر سكون الليل ويشجن النفوس من اذاعة الكويت . كان نصيبي في الحراسة الساعة الثانية ليلا بعد تسلمي موقع الكمين من ابو زاهر وبعد دقائق معدودات تخترق مسامعي اصوات تعبر الرجع البعيد وتنذر بخطورة القادم . ودبيب اقدامهم تخطوا نحونا مع هبوب نسمات صيف كردستان , اصوات خافته وخائفة تهمس بتبريكات الانتصار وسيطرتهم على المنافذ تتسرب مع نسمات الهوى .للوهلة الاولى وقع نظري على ربية حلفائنا .الجيش العراقي يتزاحم في زواياها بحثا عن السيطرة . لم يكن امامي الا ان ابلغ مسؤول المفرزة ابو زاهر بعد ان تأكدت من تطويق المنطقة كاملة واحكموا طوق الحصار علينا , أمرنا مسؤول المفرزة بالانسحاب , ربما رحمونا بترك منفذ وحيد للانسحاب تحت مرمى بنادقهم .المعلومات المؤكدة التي وردتنا فيما بعد تشير الى ان التقدم بدأ باتجاهنا في الساعة السابعة مساءا , وهذا كما اكدت سلفا يدخل ضمن حملة عسكرية اجتاحت المنطقة بكاملها وخطط لها مسبقا ومعلومات قيادة قاطعنا كانت بعيدة كل البعد عن الوضع ومستجداته . نجونا بأعجوبة وبسرعة البرق ولم اعرف الى الان لماذا لم يطلقوا النار علينا ؟ كان مصيرنا معلقا بضغطة زناد . بوقت قياسي قصير جدا وبسرعة حركة الانصار ,وصلنا الى مقر الحزب في الوادي وبلغنا الحرس ان يوقظ الرفاق من نومهم وان المنطقة أجتيحت ومطوقة من القوات الخاصة العراقية .وبعد ان استعد الجميع , انتشلنا كل ماخف وزنه وغلا ثمنه من حاجات وممتلكات الحزب وايضا الشخصية , وانسحبنا باتجاه مقر رفاقنا في الفوج التاسع في وادي ( باني شهر ) الذين كانوا يغطون في النوم تحت رعشة نسمات كردستان المنعشة . بدأنا الصعود الى الجبل باتجاه الاراضي الايرانية عبر وادي ضيق ووعر تضطر في بعض اماكنه التسلق زحفا على البطون . في الليل وقبل الدخول الى الاراضي الايرانية وبعد رد وأخذ من النقاشات والاحتمالات والاتصالات بين الشد والجذب , أتخذ قرارا سريعا يقضي بالعودة الى المقرات لسحب ممتلكاتنا ولابراز قوتنا امام العشائر .وسرعة القرار ارتبطت بمعلومات مؤكدة عن عدم دخول القوات العراقية الى المقرات . تحركنا قوة كبيرة رغم سطوع اضواء التنوير التي حولت المنطقة الى نهار ساطع وكان نصيبي ايضا ان اكون في كمين متقدم ويشرف على حركة الجنود ان حاولوا التقدم باتجاه مقرنا . استغرق الكمين مدة ستة ساعات وسبقته ساعتين من المشي قبل الوصول الى المقر . كان الجو حارا والعرق يتصبب من جبيني وبلل العرق المالح اللاهب عيني وشفتي كنت متأهبا لكل طاريء بعد ان تأخر الرفاق طويلا في الوادي والاتصالات مقطوعة والعطش يكاد ان يطرحني لولا قدوم الرفاق من الوادي والتنوير مشتغل . سحبت حالا وربما بطريقة لم تريحه قارورة الماء من ملازم ماجد من حزامه وانطرحت ارضا وفرغت قارورة الماء في فمي وقضيت عليها . بدأنا الانسحاب باتجاه رفاقنا الذين تركناهم في الوادي وكانوا مشدودي الاعصاب والقلق لتأخرنا الطويل . وفي الليلة التالية قامت قوة من الحزب الديمقراطي الكردستاني ( نوجة خانقين ) ,وهو الفرع التابع لمدينة خانقين بشن هجوم في سبيل أ قتحام الربية , ظنا منهم ان الجيش لم يرتب بعد وضعه العسكري في الربية التي احتلها منذ يومين متناسين انها كانت ربية عسكرية تركها الجيش قبل سنوات لاحتدام المعارك في الجنوب بين القوات الايرانية و العراقية . الهجوم فشل في الاقتحام مع فقدانه لثلاثه من عناصره وايضا اربعة جرحى من الحزب الديمقراطي ولم يحقق اغراضه في استعادة شبر من الربية , لكن في الليلة نفسها امطرونا بوابل من الحمم البركانية وحتى في هذا الموقف لم يبلغونا في نية هجومهم لاخذ الاحتياطات اللازمة في التحرك والاستعداد . بعد ان فشل هجومهم بساعات وعادوا الى مواقعهم في الجهة الثانية باتجاه المقرات في مناطق كرجال – صب الجيش جام غضبه باتجاهنا – اعتقادا منه ان الهجوم جاء من جهتنا فامطرونا بحمم بركانية من القنابل والصواريخ مابين كل ثانية واخرى كان يطلق باتجاهنا صاروخا وقنبلة ,أهتز الجبل وتفتت الصخور وانقلعت الاشجار . ونحن موزعين في الكهوف والقطوع على شكل مجاميع صغيرة , لا احد يعرف عن بعضنا الاخر ونحن مختبئين يلفنا الرعب والخوف في الكهوف الجبلية ونحتمي بصخورها لمدة سبعة ساعات متواصلة وبدون انقطاع ورائحة البارود تزكم انوفنا وتشق بدويها القوي طبلة مسامعنا . جميعنا لم يمهل حتى الى ان يمد يده او عينه الى عتبة الكهف . الجميع في انتظار بزوغ الفجر , متوقعين هجوما كاسحا غطى بقصف صاروخي جنوني وفي الصباح سيكون الجيش العراقي فوق رؤوسنا . في الصباح خرجنا من الكهوف بعد ان توقف القصف ننظر بحيرة ودهشة الى |