بحوث

الرقابة على دستورية القوانين في العراق

حسن ناصر المحنّه

ماجستير في القانون العام – ناشط في حقوق الإنسان

 

في هذا البحث نتناول وفي مبحثين الرقابة على دستورية القوانين في العراق من تأسيس الدولة العراقية وحتى الوقت الحاضر.

المبحث الأول :

الرقابة الدستورية في العراق من عام 1925- 2003

تلعب الرقابة على دستورية القوانين دورا" مزدوجا" في دولة القانون , فهي عنصرا" داخلا" في تكوينها من جهة وضمانة فاعلة لسيادة القانون ومنع انتهاكه من جهة أخرى , فالقضاء بوصفه الجهة المحايدة من بين السلطات الثلاثة لعدم تأثره بأي اعتبار سياسي وعدم استجابته لأي تأثير شخصي ينبغي أن يبسط رقابته على عمل السلطتين التنفيذية والتشريعية , فله أن يبسط رقابته على أعمال السلطة التشريعية للتأكد من مدى موافقته التشريعات الصادرة عنها لمضمون الدستور , فإذا خالفت أحكامه جاز له أن يلغيها أو يمتنع عن تطبيقها وبذلك يكون الحامي الأمين للدستور شكلا" وموضوعا" , لذلك نجد الكثير من الدساتير تجنح إلى النص في صلبها على تنظيم هذا الموضوع .([1])

وعلى هذا الأساس نجد أن بعض الدساتير العراقية نصت على إنشاء محاكم مهمتها مراقبة دستورية القوانين وتفسير نصوص الدستور , كما هو الحال في القانون الأساسي لعام  (1925), ودستور  عام (1968) , إلا أن الدساتير العراقية الأخرى منذ دستور( 1958) , إلى مشروع دستور جمهورية العراق  لعام (1990) , لم تنص على إنشاء محكمة للنظر في دستورية القوانين.

وقد اسند المشرع الدستوري إلى القضاء مهمة الرقابة في التجربتين المذكورتين اعترافا" بحق السلطة القضائية في أداء هذه المهمة  وتوافق ذلك مع المبادئ العامة والعرف الدستوري , كما إن مبدأ استقلال القضاء عامل مهم في إسناد هذا الحق للقضاء في تقرير الرقابة الدستورية , ولإبراز العلاقة بين مبدأ استقلالية السلطة القضائية والرقابة على دستورية القوانين في الدساتير العراقية ارتأينا البحث في الرقابة على دستورية القوانين في الدساتير العراقية من القانون الأساسي لعام (1925) إلى عام (2003) في مطلبين : الأول الرقابة الدستورية في القانون الأساسي لعام (1925), والثاني الرقابة الدستورية في الدساتير العراقية المؤقتة.

المطلب الأول :

الرقابة الدستورية في القانون الأساسي لعام 1925

 

إن الحاجة إلى وجود جهة قضائية تأخذ على عاتقها النظر في موضوع دستورية القوانين أمر بالغ الأهمية لما يتمتع به القضاء من استقلال وحياد بعيد عن هوى وآراء السياسيين , لذا عمدت معظم دساتير الدول إلى تشكيل محاكم دستورية واختارت لها أفضل القضاة علما وسلوكا لكي يفصلوا في موضوع دستورية القوانين , لكون القضاء هو الجهة المؤهلة مهنيا" للفصل في موضوع الرقابة الدستورية , وعلى هذا الأساس تبنى القانون الأساسي لعام (1925) , الرقابة على دستورية القوانين من خلال إنشاء محكمة أسماها ( المحكمة العليا) ومن مهامها محاكمة الوزراء وأعضاء مجلس الأمة المتهمين بجرائم سياسية أو بجرائم تتعلق بوظائفهم العامة , ولمحاكمة حكام محكمة التمييز عن الجرائم الناشئة عن وظائفهم , وللبت في الأمور المتعلقة بتفسير الدستور وموافقة القوانين لأحكام الدستور , إلا أن هذه المحكمة تختلف من حيث نوعية أعضائها ولم تقتصر على القضاة فقط بل إن أكثرية أعضائها من مجلس الأعيان الذين لا يتمتعون بمؤهلات قانونية , ولغرض التعرف على الرقابة الدستورية في القانون الأساسي لعام (1925) نقسم هذا المطلب إلى ثلاث فروع متتالية :

الفرع الأول: تكوين المحكمة العليا 

الفرع الثاني: اختصاصات المحكمة العليا

الفرع الثالث: طبيعة قرارات المحكمة العليا

 

الفرع الأول:

تكوين المحكمة العليا

تقتصر الرقابة في العراق على التشريع بعد نفاذه , وتختلف الجهة المختصة بالرقابة على دستورية القوانين باختلاف ما مر به العراق من أوضاع دستورية , فقد أناط القانون الأساسي العراقي وهو دستور عام (1925) , مهمة البت في الأمور المتعلقة بتفسيره وموافقة القوانين الأخرى لأحكامه بمحكمة خاصة أطلق عليها اسم المحكمة العليا([2])

كما نص عليها القانون الأساسي (( تؤلف محكمة عليا لمحاكمة الوزراء وأعضاء مجلس الأمة المتهمين بجرائم سياسية تتعلق بوظائفهم العامة ولمحاكمة حكام محكمة التمييز عن الجرائم الناشئة من وظائفهم , والبت بالأمور المتعلقة بتفسير هذا القانون وموافقة القوانين لأحكامه ))([3])

 

والقانون الأساسي جعل اختصاصات المحكمة العليا بشكل حصري هي:

أولا: محاكمة الوزراء وأعضاء مجلس الأمة عن نوعين من الجرائم ( الجرائم السياسية , والجرائم المتعلقة بوظائفهم العامة)

ثانيا: محاكمة حكام محكمة التمييز عن الجرائم الناشئة من وظائفهم.

ثالثا: البت في الأمور المتعلقة بتفسير الدستور وموافقة القوانين الأخرى لأحكامه .

وتؤلف المحكمة من ثمانية أعضاء عدا الرئيس ينتخبهم مجلس الأعيان أربعة من بين أعضائه وأربعة من حكام محكمة التمييز أو غيرهم من كبار الحكام وتنعقد برئاسة رئيس مجلس الأعيان , وإذا لم يتمكن الرئيس من الحضور يترأس جلسة المحكمة نائبه ([4])

ونجد هنا أن سلطة مجلس الأعيان واضحة في اختيار أعضاء المحكمة العليا.

والقانون الأساسي اشترط أن يكونوا من حكام محكمة التمييز , فلمجلس الأعيان أن يختار غيرهم من كبار الحكام , كذلك نجد أن انعقاد المحكمة العليا لأجل محاكمة الوزراء أو أعضاء مجلس الأمة أو حكام محكمة التمييز عن الجرائم التي نص عليها الدستور , فأمر انعقاد المحكمة يكون من مسؤولية مجلس الأعيان دون غيره باختيار أعضاء المحكمة ولا دخل للإرادة الملكية بذلك إذا اقتضى إجراء المحاكمة أمام المحكمة العليا , وتحال القضية إليها بناء على قرار اتهامي صادر من مجلس النواب بأكثرية ثلثي الآراء من الأعضاء الحاضرين في كل قضية على حدة ([5])        

ويتوقف تحريك الدعوى على طبيعة الموضوع المراد عرضه على المحكمة العليا وذلك إذا كان مجلس النواب مجتمعا , أما إذا لم يكن مجلس النواب مجتمعا فان القانون الأساسي عالج هذا الأمر (( أما الأمور الأخرى فتحال إلى المحكمة العليا بقرار من مجلس الوزراء , أو بقرار من احد مجلسي الأمة )) ([6])               

وهنا تتدخل الإرادة الملكية عن طريق مجلس الوزراء لتشكيل المحكمة العليا , وانتقاء أعضاء المحكمة العليا من قبل السلطة التنفيذية , وعندما تختار فإنها تختار من يحمي مصالحها , وهنا يتدخل عامل الولاء للسلطة التنفيذية وإطاعتها لانجاز الغرض التي تشكلت من اجله المحكمة العليا.

ونلاحظ إن عدد الحكام الذين يتم اختيارهم أربعة حكام من أصل تسعة أعضاء من بينهم رئيس المحكمة الذي يشغل منصب رئيس مجلس الأعيان مع أربعة أعضاء من مجلس الأعيان , وهنا يكون العدد خمسة مقابل أربعة , علاوة على ذلك إن أعضاء مجلس الأعيان هم من المعينين من قبل الإرادة الملكية ولم يكونوا منتخبين , فمن الطبيعي أن تصدر الأحكام من المحكمة العليا وفقا" لما تشتهيه السلطة التنفيذية , ومن الجدير بالذكر إن المحكمة لم تمارس اختصاصها بمحاكمة من حددتهم المادة (81) من القانون الأساسي , ولم يذكر أن حاكمت احد من هؤلاء.

الفرع الثاني :

اختصاصات المحكمة العليا

ثبت اختصاص المحكمة في القانون الأساسي فضلا عن اختصاصها في محاكمة الوزراء وأعضاء مجلس الأمة المتكون من مجلس الأعيان , ومجلس النواب وحكام محكمة التمييز المتهمين بجرائم سياسية أو جرائم تتعلق بوظائفهم العامة فان القانون الأساسي أسند إلى المحكمة تفسير النصوص الدستورية ومراقبة دستورية القوانين, من خلال ما ورد وللبت في الأمور المتعلقة بتفسير هذا القانون وموافقة القوانين الأخرى لأحكامه (م 81) وتنعقد المحكمة العليا بإرادة ملكية فيما يخص تفسير الدستور ورقابة دستورية القوانين , وتؤلف المحكمة في هذه الحالة وفق المادة (82/3 ) أي تؤلف من نفس العدد من حكام محكمة التمييز, والأعضاء الباقين من مجلس الأعيان برئاسة رئيس مجلس الأعيان , هذا فيما إذا كان مجلس الأمة مجتمعا" , أما إذا لم يكن مجلس الأمة مجتمعا" فهنا يتدخل مجلس الوزراء في اختيار أعضاء المحكمة بإرادة ملكية , هذا ما نص عليه الدستور (( إذا وجب البت في أمر يتعلق بتفسير أحكام هذا القانون أو فيما إذا كان احد القوانين المرعية يخالف هذا القانون , تجتمع المحكمة العليا بإرادة ملكية تصدر بموافقة مجلس الوزراء بعد أن تؤلف وفق الفقرة الثالثة من المادة السابقة ( أي المادة 82) أما إذا لم يكن مجلس الأمة مجتمعا يكون نصب الأعضاء المذكورين من المادة السابقة بقرار من مجلس الوزراء وإرادة ملكية))([7])

 

                                                      

وقد مارست المحكمة اختصاصها بالرقابة على دستورية القوانين بطعنها بقانون منع الدعايات المضرة رقم (20 لسنة 1938) , ولم يحدث أن نظرت المحكمة بدستورية المراسيم التشريعية الصادرة عن السلطة التنفيذية رغم مخالفتها لأحكام الدستور ([8])

ومارست المحكمة العليا اختصاصها في تفسير المواد ( 20 و22 ) من القانون الأساسي.

 ومن التطبيقات القضائية للمحكمة العليا الخاصة  بتفسير المادة (22/1) من القانون الأساسي التي تمنع إدخال تعديل ما مدة الوصاية بشأن حقوق الملك ووراثته .

 انه قد اجتمعت المحكمة العليا المشكلة بموجب الإرادة الملكية المرقمة 794 والمؤرخة في (16) كانون الأول (1941) في يوم الأربعاء المصادف (24) كانون الأول (1941) , برئاسة سماحة السيد (محمد الصدر) رئيس مجلس الأعيان , وعضوية كل من السادة محمد صبحي الدفتري , وعمر نظمي , وصالح باش أعيان , وعبد المحسن شلاش , أعضاء مجلس الأعيان , والسادة داود سمرة , وعبد العزيز المطير , وحسن تاتار , ومصطفى التكرلي , أعضاء محكمة التمييز وهم من كبار الحكام , وبعد أن تليت الإرادة الملكية المنوه عنها والمتضمنة تشكيل المحكمة العليا لغرض تفسير المادتين (20 و22 ) من القانون الأساسي وكذلك النظر في إحداث منصب باسم ( نائب أو مساعد أو وكيل وزير ) من أعضاء مجلس الأمة وتليت كذلك المذكرة في الفقرة 1  من القرار المذكور والتي هذا نصها (( هل أن إضافة حقوق إلى الملك في لائحة قانون الدستور الجديد خلال مدة الوصاية يعتبر مساسا" بحقوق جلالته)) أصدرت قرارها الذي جاء فيه :

 ( لدى النظر في الموضوع وبعد المداولة رأت أكثرية المحكمة انه إذا كان القصد إضافة حقوق إلى جلالة الملك في لائحة الدستور الجديد فذلك جائز لعدم مخالفته نص العبارة الأخيرة في الفقرة الأولى من المادة (22) من القانون الأساسي التي تمنع إدخال تعديل ما مدة الوصاية بشأن حقوق الملك , إذ لا يعد تعديلا في هذا الباب وقد خالف هذا القرار ثلاثة أعضاء وهم السادة ( محمد صبحي الدفتري وعبد العزيز المطير ومصطفى التكرلي ) ونص شرح أسباب المخالفة للسيدين الأوليين محمد صبحي الدفتري وعبد العزيز المطير " إن ما جاء في آخر الفقرة الأولى من المادة الثانية والعشرين من القانون الأساسي يمنع إدخال أي تعديل في القانون الأساسي مدة الوصاية بشان حقوق الملك ووراثته , وقد أيدت الفقرة القانونية هذا المنع بكلمة (ما) التي يجب والحالة هذه أن تكون شاملة ومانعة أي تعديل بما فيه تنقيص الحقوق وتزيدها إذ إن الغاية من هذا المنع والتحذير ليس

ملاحظة تنقيص حقوق الملك في عهد الوصاية فقط بل أراد القانون أن تمارس هذه الحقوق في عهد الوصاية كما تمارس في عهد الملك السابق دون زيادة أو نقصان إلى أن يبلغ الصبي سن الرشد ويتولى العرش , إن المقصود من حقوق الملك التي جاءت في المادة هي وجائب الملك , والوجائب التي يقوم فيها الملك في المواد

( 19 و 20 و 21 و 22 و 23 و 24 و 25 و 26 ) تحت عنوان ( الملك وحقوقه) لذا نرى إضافة حقوق جديدة للملك هو تعديل أيضا وهذا يخالف نص الفقرة المذكورة التي جاءت مطلقة "

وقد كانت مخالفة السيد مصطفى التكرلي مبنية على الأسباب التالية:

(( إن الفقرة الأخيرة من المادة الثانية والعشرين من القانون الأساسي المطلوب تفسيرها وهي لا يجوز إدخال تعديل ما في القانون الأساسي مدة الوصاية بشأن

 

حقوق الملك وليس فيها غموض من حيث السبك ومن حيث اللفظ غير أن ظاهر مفهومها الإطلاق غير المقصود من قبل المشرع , وبالنظر لتقيدها بالمنطق والأسس المتبعة في كافة القوانين الأساسية في الحكومات الدستورية فينبغي إذن أن يكون التفسير معنويا" لا لفضيا" : إن واضع القانون إنما تعرض لمنع إدخال التعديل لغاية صيانة حقوق الملك المنصوص عليها في القانون الأساسي وعدم فسح المجال للتنقيص منها وإناطة أمر التعديل في تنقيصها إلى لحوق رضاء جلالة الملك عند اكتسابه سن الرشد أما الزيادة في حقوق الملك فغير مقصودة في المنع الواردة في هذه المادة , عليه أرى أن التعديل بتزيد حقوق الملك في القانون أمر جائز مستنبط من قصد المشرع الذي استهدف حماية هذه الحقوق بعدم التعرض لها بالتنقيص فإدخال الحقوق الجديدة الزائدة سواء كانت عن طريق التعديل أو الإضافة كما تفتكر الأكثرية لا يتناولها المنع , فأنا والأكثرية على وفاق من حيث الموضوع والنتيجة في أمر إمكان التعديل في الزيادة لان التعديل أو الإضافة سيّان في نظري ولكني أختلف مع الأكثرية بأني أرى أن تكون هذه

 

الحقوق الجديدة المراد إدخالها في القانون الأساسي غير منقصة من حقوق الشعب وحقوق مجلس الأمة الواردة في الدستور فأخالف الأكثرية من هذه الناحية فقط)))([9])  .

 

ومن خلال هذا التفسير الذي أفتت به المحكمة العليا للمادة( 22/ 1) جرى التعديل الثاني للقانون الأساسي في 27/10/1943([10])

 

 

  

الفرع الثالث :

طبيعة قرارات المحكمة العليا

 

عندما تفصل المحكمة بدستورية أو عدم دستورية قانون ما فان الدستور اشترط على أن تصدر قراراتها بأكثرية ثلثي أعضاء المحكمة كما ورد في القانون الأساسي (( كل قرار يصدر من المحكمة العليا ينص على مخالفة احد القوانين أو نص أحكامه لأحكام هذا القانون ويجب أن يصدر بأكثرية ثلثي الآراء وإذا صدر قرار من هذا القبيل يكون ذلك القانون أو القسم المخالف منه ملغي من تاريخ صدور قرار المحكمة على أن تقوم الحكومة بتشريع يكفل إزالة الأضرار المتولدة من تطبيق الأحكام الملغاة )) ([11]

 

والقرارات الصادرة من المحكمة العليا بهذا الشأن لها قوة الشئ المحكوم فيه , وهي قطعية وملزمة للكافة وغير قابلة للطعن فيها أمام أي هيئة أخرى ويجب تطبيقها في جميع المحاكم والدوائر الحكومية ([12]) وتخرج من اختصاصات المحكمة العليا , الوزراء الاتحاديون وأعضاء مجلس الاتحاد العربي الذي أنشئ بين العراق والأردن الذي بموجبه صدر دستور الاتحاد العربي في (29 / 3 / 1958) ,حيث نص على تشكيل محكمة عليا تتألف من رئيس وستة قضاة , ثلاثة منهم من محكمة التمييز في كل من دولتي الاتحاد أو من كان في مستواهم من كبار رجال القانون ([13])

 

وأسندت إليها الاختصاصات التالية:

 

أ- محاكمة أعضاء مجلس الاتحاد ووزراء الاتحاد

ب- الفصل في الخلافات التي تقع بين حكومة الاتحاد وواحد أو أكثرية من أعضائه أو التي تقع بين الأعضاء أنفسهم .

ت- إعطاء المشورة القانونية في المسائل التي يحيلها عليها رئيس مجلس وزراء الاتحاد.

ث- تفسير دستور الاتحاد وتكون لقراراتها الصادرة في هذا الشأن قوة النص المفسر.

ج- مراقبة دستورية القوانين والمراسيم الاتحادية بناء على طلب من رئيس مجلس وزراء الاتحاد , ورئيس مجلس وزراء إحدى الدول الأعضاء ويعتبر القرار الصادر بعدم دستورية القانون أو المرسوم ملغيا له من تاريخ صدور القرار.

ح- استئناف الأحكام القطعية الصادرة من حكام الدول الأعضاء إذا تضمنت هذه الأحكام الفصل في نزاع ذي مساس بأحكام هذا الدستور أو أي قانون اتحادي

خ- استئناف الأحكام الصادرة من المحاكم الاتحادية وفقا للقوانين ([14]).

 

كانت الرقابة القضائية على دستورية القوانين في العراق في ظل القانون الأساسي لعام (1925), رقابة لاحقة على الرغم من أن الواقع الدستوري المميز لهذا النوع من الرقابة  ,  لم تكن  تجربة العراق هذه في مأمن من الانجراف بالتيارات السياسية , كما إنها كانت ضعيفة أمام التأثيرات المختلفة التي كانت تباشرها السلطة التنفيذية , ولعل ذلك راجع إلى أن المشرع التأسيسي لم يتمكن من التخلص من آثار الظروف والتيارات السياسية عند تنظيمه للمحكمة العليا , وجاء هذا

التنظيم متأثرا" بالاتجاه العام الذي هيمن على نصوص الدستور وهو تقوية السلطة التنفيذية على حساب بقية السلطات , وهذا جعل المحكمة العليا لا تتمتع بالاستقلالية بسبب نوعية أعضاء المحكمة التي يطغى عليها الطابع السياسي أكثر من وجود الطابع القانوني , فمن حيث أعضاء المحكمة فإنها كانت تنعقد برئاسة رئيس مجلس الأعيان و أربعة أعضاء  يتم اختيارهم من المجلس نفسه وهم معينين من قبل السلطة التنفيذية , وهذا التعيين له الأثر الكبير في عدم الاستقلالية باعتبارهم واجهة السلطة التنفيذية أمام مجلس النواب  ومن الطبيعي أن تتأثر قرارات المحكمة لتصب في صالح السلطة التنفيذية .

أما من حيث عدد أعضاء المحكمة فان أكثرية الأعضاء من مجلس الأعيان , والقانون الأساسي لم يشترط لعضوية مجلس الأعيان أي تحصيل دراسي ومن أي درجة كانت , ولا حتى الإلمام بالقراءة والكتابة , ولعل القانون يختار من هؤلاء الأعضاء دون شروط لعضوية المحكمة العليا , وبما إن المحكمة تنعقد بإرادة ملكية مما لاشك فيه أن تتأثر قراراتها باتجاه السلطة التنفيذية , علاوة على ذلك فهي محكمة وقتية تنعقد تبعا للقضية المعروضة أمامها وتحل بانتهائها.        

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المطلب الثاني :

الرقابة الدستورية في الدساتير العراقية المؤقتة

على الرغم من أن الدساتير العراقية المؤقتة لم تتضمن الرقابة على دستورية القوانين بنصوص صريحة باستثناء دستور (21) أيلول لعام (1968 ), حيث نص هذا الدستور نصا صريحا على تشكيل محكمة دستورية عليا , وأسند إليها مهمة الرقابة على دستورية القوانين ابتداء من دستور (1985) إلى مشروع دستور جمهورية العراق لعام (1990) , لم تنص على الرقابة الدستورية , وتفريعا" على ذلك نقسم هذا المطلب إلى ثلاث فروع متتالية:

الفرع الأول: الرقابة الدستورية في دستور عام 1958 المؤقت

الفرع الثاني: الرقابة الدستورية في دستور عام 1968 المؤقت

الفرع الثالث: الرقابة الدستورية في دستور عام 1970 المؤقت

 

 

الفرع الأول :

الرقابة الدستورية في دستور عام 1958 المؤقت

مما لا شك فيه أن المشرع عند وضعه أحكام الدستور المؤقت لعام (1958) , اتجه إلى تنظيم المجتمع السياسي بشكل أكد فيه على مبدأ سيادة الشعب وعلى صيانة حقوقه , ولما كان من طبيعة الدساتير المؤقتة إنها لا تتعرض إلى ذكر جميع التفاصيل فيما يخص المبادئ الدستورية فإنها تكتفي عادة بالنص على أهم المبادئ العامة والعرف الدستوري , وتنظيما لذلك فان الدستور العراقي المؤقت لم يتطرق إلى تنظيم رقابة دستورية القوانين , واكتفى بالنص على أهم المبادئ بهذا الخصوص فقد نصت المادة (21) منه على أن السلطة التشريعية يتولاها مجلس الوزراء بتصديق مجلس السيادة وهذا الحل منطقي في فترة الثورة تقتضيه ضرورة السرعة للبت في الأمور بغية وضع الفكرة القانونية الجديدة موضع التنفيذ ويترتب على تمتع السلطة التنفيذية بسلطة التشريع , أن ليس لها في هذه الفترة إصدار مراسيم تشريعية طالما أنها تتمكن بموجب الدستور في تشريع القوانين , كما يترتب على ذلك أن ليس في الدولة خلال هذه المدة إلا فئة واحدة من القواعد هي القانون العادي , وهذا الوضع يبسط بشكل واضح رقابة دستورية القوانين , كما لم يغب على المشرع أهمية الدور الذي يلعبه القضاء في هذه الفترة , فنص على انه (( القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ولا يجوز لأية سلطة أو فرد التدخل في استقلال القضاء أو في شئون العدالة ...)) ([15]

 

واكتفى الدستور بهذا القدر , ولا شك أن عدم التطرق إلى تنظيم الرقابة الدستورية وعدم وجود سلطة ذات اختصاص مانع معناه أن الدستور اكتفى بالمبادئ العامة وما جرى عليه العمل في أغلب المجتمعات السياسية وكأنه أحال فيما يخص تنظيم

الموضوع على تلك الأحكام والتطبيقات بالرجوع إلى تلك التطبيقات في الدول استنادا إلى أرجح آراء الفقهاء ([16])

 

وبالرغم من أن الطريق السليم يتمثل في أن يكون  للقضاء الحق  في الرقابة على الدستورية إلا أن الدول قد تختلف بصدد كيفية إعمالها للرقابة  و تحديد الهيئة القضائية المنوط بها هذه المهمة , و كيفية تحريك الرقابة أمام تلك الهيئة , و الوقت الذي تم فيه هذا التحريك , ويعتمد تحديد الجهة القضائية التي تتولى مباشرة الرقابة الدستورية على موقف المشرع الدستوري , فقد يصمت المشرع عن تنظيم هذا الموضوع ومن ثم تذهب المحاكم إلى تقرير حقها جميعا" في مباشرة رقابة الدستورية أيا كانت درجاتها في السلّم القضائي وهو ما أطلق  عليه الفقه اصطلاح ( لا مركزية الرقابة )  ولكن ليست ثمة ما يمنع المشرع الدستوري من تقرير هذا الحق لجميع المحاكم بنص صريح فيكون النص الدستوري سندا" لمباشرة المحاكم هذه الرقابة , غير أن الغالب الأعم من الأحوال أن يصمت المشرع عن ذلك وهنا يعود سند مباشرة المحاكم لتلك الرقابة إلى وظيفة القاضي الأصلية في تطبيق القوانين , وحل مشكلة التنازع في التطبيق بينها, ومن ثم تحديد القانون الواجب التطبيق عند تعارضها مما يؤدي إلى امتناع هذه المحاكم عن تطبيق أي تشريع ترى انه مخالف للدستور ([17])

 

ويكاد الفقه الدستوري يجمع على أن الرقابة على دستورية القوانين بطريقة الدفع بعدم الدستورية هي من صميم واجبات القضاء مما لا يحتاج إلى نص خاص عليها, وهذا ما ذهب إليه الأستاذ الكبير الدكتور عبد الرزاق احمد السنهوري في مقالة له في مجلة مجلس الدولة لسنة (1950) فقد قال (( على القضاء ممارسة هذه الرقابة لأنه يتعين عليه أن يمتنع عن تطبيق تشريع يكون في تقديره باطلا" لمخالفته الدستور )) ([18])

 

 

 

                                                                            

وأكثر من ذلك ذهب كبار الفقهاء الفرنسيين أمثال( ليون ديكي , ومارسيل فالين) ,وغيرهم إلى حق القضاء في الرقابة على دستورية القوانين بالرغم من وجود نصوص صريحة تمنعها .

والقضاء العراقي لم يكن بعيدا عن ممارسة الرقابة على دستورية القوانين بطريقة الدفع بعدم الدستورية والامتناع عن تطبيق النص المخالف للدستور , فقد مورست هذه الرقابة في ظل الدستور المؤقت للجمهورية الأولى ولو لمرة واحدة عندما امتنعت إحدى المحاكم عن تطبيق نص أحد قوانين الإصلاح الزراعي ([19]) فقد امتنع القاضي المرحوم حسين سيف الدين في فترة حكم الزعيم عبد الكريم قاسم عن تطبيق قانون الإصلاح الزراعي رقم (30 لسنة 1959) إذ قرر إن هذا القانون الصادر يخالف الدستور , فالدستور يحقق العدالة لكل العراقيين ويمنع استلاب الأرض بثمن بخس إلا في حالة الضرورة القصوى وللمصلحة العامة مع التعويض العادل , ولم يجد القاضي أي مبرر من إصدار هذا القانون وقرر الحكم للمدعي بتعويض عادل مما أستملك من أراضيه وحدد قيمة التعويض خمسة دنانير للدونم الواحد في لواء الحلة آنذاك  لمخالفته الدستور. ([20])   

 

الفرع الثاني :

الرقابة الدستورية في دستور عام 1968 المؤقت

 

أناط دستور (21 أيلول لعام 1968 ) مهمة الرقابة الدستورية إلى محكمة دستورية عليا , وأسند إلى القانون تشكيل هذه المحكمة حيث جاء (( تشكل بقانون محكمة دستورية عليا تقوم بتفسير أحكام هذا الدستور والبت في دستورية القوانين , وتفسير القوانين الإدارية والمالية والبت بمخالفة الأنظمة للقوانين الصادرة بمقتضاها ويكون قرارها ملزما" )) ([21])

وعلى أثر ذلك صدر قانون رقم (159 لعام 1968) الخاص بتكوين المحكمة الدستورية العليا , وجاء في الأسباب الموجبة للقانون  إن إنشاء هذه المحكمة لأجل أن تتولى تفسير أحكام الدستور تفسيرا" ملزما" لرفع ما يعتور نصوصه من غموض وكذلك تختص بتدقيق صحة استناد النظام إلى القانون وعدم تجاوزه أو مخالفته لأحكامه وكذلك المراسيم وعدم مخالفتها لسندها القانوني , أما تكوين المحكمة وأسلوب اختيار أعضائها فقد روعي فيها اختيار العناصر القانونية ([22])

 

وطريقة ممارستها لصلاحياتها بمقتضى القانون , وتشكل من رئيس محكمة تمييز العراق , ومن ثمانية أعضاء أصليين وأربعة أعضاء احتياط , أما الأعضاء الأصليون فمنهم رئيس مجلس الرقابة المالية , ورئيس ديوان التدوين القانوني , وستة أعضاء يعينهم مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير العدل , ويصدر تعينهم بمرسوم جمهوري على أن يكون ثلاثة منهم من أعضاء محكمة التمييز الدائمين , والثلاثة الآخرون من كبار موظفي الدولة ممن لا تقل درجتهم عن درجة مدير عام , أما الأعضاء الاحتياط فمنهم حاكمان من حكام محكمة التمييز, واثنان من كبار موظفي الدولة ممن لا تقل درجاتهم عن درجة مدير عام ويتم تعين الأعضاء الاحتياط بنفس طريقة تعين الأعضاء الستة الأصليين ([23])

أما مدة العضوية فهي ثلاث سنوات قابلة للتجديد , أما مهام المحكمة فقد حددت في المادة 4 من القانون وتشمل مايلي:

1- تفسير أحكام الدستور    

2- البت في دستورية القوانين

3- تفسير القوانين الإدارية والمالية

4- البت في مخالفة الأنظمة للقوانين الصادرة بمقتضاها

5- البت في المراسيم لسندها القانوني ([24])

وأجازت المحكمة بالطعن بعدم الدستورية لرئيس الجمهورية , ورئيس الوزراء , ووزير العدل , والوزير المختص , ومحكمة تمييز العراق عند النظر في القضية المعروضة عليها , وإذا قررت المحكمة أن قانونا" ما قد خالف الدستور فانه يعد ملغيا" من تاريخ صدور الحكم , ومن ثم لم يكن للأفراد في ظل هذا الدستور الحق أن يتقدموا بطعن إلى هذه المحكمة وبذلك فقدت ضمانة أساسية لكفالة حقوق

الأفراد وحرياتهم من الاعتداء عليها , ولم تمارس المحكمة الدستورية العليا أي شكل من أشكال الرقابة على دستورية القوانين طوال مدة نفاذ دستور 1968 .

 

 

 

 

 

الفرع الثالث :

الرقابة الدستورية في دستور عام 1970 المؤقت

 

 أما دستور عام 1970 المؤقت , فقد جاء خاليا" من الإشارة للرقابة على دستورية القوانين , وكذلك فعل مشروع دستور جمهورية العراق لعام 1990 , وعلى الرغم من النقص الدستوري الخطير لم يتجرأ القضاء العراقي على الأخذ بالدفع بعدم الدستورية والامتناع عن تطبيق النص المخالف لأحكام الدستور ([25])

واستثناءا" من ذلك إن القضاء العراقي مارس تلك الرقابة للمرة الثانية بطريقة الدفع بعدم الدستورية والامتناع عن تطبيق النص المخالف للدستور عندما امتنعت إحدى المحاكم في بغداد عن تطبيق أحد قرارات مجلس قيادة الثورة المنحل لمخالفته للدستور ([26]) وهذا ما تأكد في قرار محكمة بداءة الكرخ في الدعوى رقم (80/ ب/1990) الصادر بتاريخ (31 / 12/ 1990) الذي أصدره القاضي دارا نور الدين بهاء الدين عندما امتنع عن تطبيق قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (581 الصادر في 5/5/1981) لمخالفته لحكم الفقرة ب من المادة (16) من دستور (16 تموز 1970) وقد اكتسب هذا القرار الدرجة القطعية بعد المصادقة عليه بقرار محكمة الاستئناف بصفتها التمييزية المرقم (507/ حقوقية / 1991) إعلام (666) وقد تعرض بسببه (القاضي دارا نور الدين)(*) لغضب السلطة وقتذاك وعوقب بعقوبة سالبة للحرية ([27] )         

ونرى أن عدم تجرؤ القضاء العراقي على الأخذ بالرقابة على دستورية القوانين بطريقة الدفع بعدم الدستورية والامتناع عن تطبيق النص المخالف للدستور باستثناء حالتين سجلت في تاريخ القضاء العراقي وتحديدا" في الدساتير المؤقتة , الحالة الأولى في دستور (1958) تتحدد في الامتناع عن تطبيق قانون الإصلاح الزراعي رقم (30 لسنة 1959 ) والثانية في عام (1990) في قضية قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 581 الصادر في 5/5/1981 , وسبب ذلك يعود لخضوع القضاة للسلطة التنفيذية في تعينهم ونقلهم ومعاقبتهم , ولم يكونوا مستقلين استقلالا" يمكنهم من النهوض بهذا الأمر من جهة ,  و للقيود التي وضعت على القضاء سواء كان الإداري أو العادي بتحصين أعمال السيادة من رقابة القضاء , فقد ورد الحظر في قانون مجلس شورى الدولة رقم (65 لسنة 1979 ) 

المعدل  من جهة أخرى , حيث نص في (م 7/خامسا") من القانون (( لا تختص محكمة القضاء الإداري بالنظر في الطعون المتعلقة بما يأتي :

أ- أعمال السيادة وتعتبر من أعمال السيادة المراسيم والقرارات التي يصدرها رئيس الجمهورية ))

كما ورد في  المادة العاشرة من قانون التنظيم القضائي رقم (160 لسنة 1979) المعدل (( لا ينظر في كل ما يعتبر من أعمال السيادة ))

وهذا التحصين لم يميز بين ما هو من قبيل القرارات الإدارية التي تصدرها السلطة التنفيذية بوصفها سلطة إدارة , ولا الأعمال التي تقوم بها السلطة التنفيذية بوصفها سلطة حكم فيما يخص القرارات التي تتصل بسيادة الدولة الخارجية والداخلية , التي تسمى بأعمال السيادة , وحسنا فعل المشرع في دستور العراق الدائم لعام (2005) عندما نص على أن (( يحضر النص في القوانين على تحصين أي عمل أو قرار إداري من الطعن )) ([28]) .

 

وباستثناء المحكمة العليا التي تم إنشائها في دستور عام (1925) , ظل العراق منذ تأسيس الدولة العراقية يفتقر إلى وجود محكمة عليا فاعلة تعنى بالفصل في دستورية القوانين والقرارات والأوامر والأنظمة والتعليمات التي تصدر من السلطتين التشريعية والتنفيذية , مما ولّد فراغا" قضائيا" انعكس سلبا" على حقوق الإنسان وعلى سيادة القانون بالفصل في دستورية القوانين وشرعيتها بداعي انه قضاء مهمته تطبيق القانون وليس البحث في شرعيته , وكثيرا" ما اصطدم القضاء العادي في العراق مع السلطة التنفيذية في محاولاته المتكررة بمناقشة عدم شرعية

بعض القوانين والقرارات التي لها قوة القانون فكان لابد من إنشاء محكمة عليا تتولى هذه المهمة لضمان احترام قيام السلطة التشريعية أو التنفيذية , بمخالفة المبادئ الأساسية أو النصوص الواردة في الدستور والفصل في المنازعات التي تنشأ بين السلطات. ([29])       

 

 

 

 

 

 

 

 

                                               

 ومن الجدير بالذكر أن  الدساتير المؤقتة باستثناء دستور عام (1968) لم تنص  على الرقابة على دستورية القوانين , بسبب طبيعة نظم  الحكم الشمولية التي تتابعت على العراق عقب الانقلابات العسكرية والتي كانت تكتب الدساتير وفق فلسفتها القائمة على الاستئثار بالسلطة بعيدا" عن الرقابة كما إن الأوضاع غير المستقرة في الدولة قد انعكست سلبا" على دور القضاء في مراقبة دستورية القوانين . فالقضاء وان ذكرت النصوص الدستورية استقلاليته بقي استقلاله وفق منظور السلطة السياسية القابضة على دفة الحكم وليس استقلالا" بما يقره النظام القانوني والعرف الدستوري .

 

 ومن جانب آخر لم يتمكن القضاء من الرجوع إلى المبادئ العامة في تغليب القواعد الدستورية على غيرها من القواعد المخالفة للدستور فيأخذ بأسلوب الدفع الفرعي أو الدفع بعدم الدستورية وهو أمر كان متاحا" إلى حد كبير , فلم يكن جريئا" ليمارس مهامه بمعزل عن السلطة التنفيذية التي لها اليد الطولى والتسلط على باقي الهيئات الدستورية الأخرى ومنها السلطة القضائية التي يخضع أعضائها للتعيين بمن فيهم وزير العدل الذي يمارس مهامه كجزء منها, وعندما تكون الجهات القضائية تابعة إلى وزير العدل , هذا يعني إن السلطة القضائية برمتها خاضعة للسلطة التنفيذية وجزء منها وهو ما يجعل القضاء ضعيفا" في أداء مهامه في ممارسة الرقابة الدستورية , وحسنا" فعل المشرع عندما أعاد تشكيل مجلس القضاء الأعلى في العراق وجعله مستقلا" عن وزارة العدل , وهذه خطوة متقدمة بأن يمارس القضاء الدستوري المهام الموكلة إليه دستوريا بمراقبة دستورية القوانين عن طريق المحكمة الاتحادية العليا , ونأمل أن تمارس هذه المحكمة اختصاصها بكل حيدة واستقلال ومهنية دون تدخل القوى السياسية والحزبية في مهامها , وكنا نتوسم بالمشرع أن يدعم استقلالية القضاء الإداري ولا يقتصر على القضاء العادي وذلك إن القضاء الإداري في العراق ولد ضعيفا" ومقيدا" واختصاصاته محددة قياسا" باختصاصات القضاء الإداري في الدولة الأخرى التي

 

لها باع طويل في القضاء الإداري مثل فرنسا وبلجيكا ومصر , ولهذا نرى أن توسيع اختصاصات القضاء الإداري وجعلها منبسطة على كل المنازعات الإدارية , تأسيس لولادة قضاء إداري سليم ومعافى , ولا تتم هذه المعافاة ما لم يكن القضاء الإداري مستقلا" ومن ضمن تشكيلات مجلس القضاء الأعلى , وإذا كنا ندعو إلى استقلالية القضاء الإداري والقضاء العادي هذا لا يعني إننا نؤيد الاستقلال المطلق بقدر ما ندعو إلى استقلال نسبي ومتوازن يحفظ للقضاء هيبته , ونرى إن الاستقلالية المطلقة فكرة مثالية لا يمكن تحقيقها في الواقع العملي الملموس بسبب تداخل عمل السلطات .

 

 

 

 

المبحث الثاني :

الرقابة الدستورية في قانون إدارة الدولة ودستور عام 2005

 

بعد أن انتقل العراق  في ظل دستور عام (2005) من دولة بسيطة إلى دولة اتحادية, وانتقل نظام الحكم من النظام الرئاسي إلى البرلماني  وتم اعتماد مبدأ الفصل بين السلطات والتأكيد على احترام الحقوق والحريات الأساسية سواء في وثيقة قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية أو في وثيقة الدستور الحالي , كذلك نص على مبدأ استقلالية السلطة القضائية والضمانات التي يتمتع بها القضاة من خلال إعادة تشكيل مجلس القضاء الأعلى وجعله مستقل عن وزارة العدل , وعدم تدخل السلطتين التشريعية والتنفيذية في استقلال القضاء , وحفاظا" على صيانة الوثيقة الدستورية كان لابد من إنشاء محكمة عليا للحفاظ على سيادة القانون وتحقيق العدالة .

وأراد المشرع الدستوري أن يوضح معالم الدولة القانونية الجديدة من خلال النص على إنشاء محكمة اتحادية عليا تختص بالرقابة على دستورية القوانين إلى جانب اختصاصات أخرى مهمة .

ولغرض التعرف على الرقابة الدستورية في قانون إدارة الدولة ودستور عام 2005 , نقسم هذا المبحث إلى ثلاث مطالب متتالية:

المطلب الأول: تكوين المحكمة الاتحادية العليا وطرق ممارسة الرقابة الدستورية

المطلب الثاني: اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا

المطلب الثالث: إجراءات رفع الدعوى الدستورية

     

 

 

 

 

 

 

                                      

 

                          

 

 

 

 

 

المطلب الأول:

تكوين المحكمة الاتحادية العليا وطرق ممارسة الرقابة الدستورية

 

يختلف تكوين المحكمة الاتحادية العليا في قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لعام (2004) عن تكوين المحكمة في دستور عام (2005) من حيث إجراءات تعين رئيس وأعضاء المحكمة كما أن الرقابة التي تمارسها المحكمة جمعت بين المزج بين طريقتي الدفع الفرعي والدعوى الأصلية , حسب ما قرره النظام الداخلي للمحكمة, والدعوى المباشرة (دعوى الإلغاء) في قانون المحكمة ولأهمية التعرف على تكوين المحكمة الاتحادية العليا وطرق ممارسة الرقابة الدستورية نتناول هذا المطلب في فرعين متتاليين:

الفرع الأول : تكوين المحكمة الاتحادية العليا

الفرع الثاني : طرق ممارسة الرقابة الدستورية 

 

الفرع الأول :

تكوين المحكمة الاتحادية العليا

 

 

أوكل قانون إدارة الدولة في المادة (39/ ج ) منه إصدار تعين رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا إلى مجلس الرئاسة , إذ نصت على انه (( يقوم مجلس الرئاسة كما هو مفصل في الباب السادس بتعين رئيس وأعضاء المحكمة العليا , بناء على توصية من مجلس القضاء الأعلى )) بينما نجد أن المادة (92 / ثانيا) من الدستور الدائم أحالت الاختيار إلى مجلس النواب .

و تتكون وفقا لقانون إدارة الدولة  المحكمة الاتحادية العليا من تسعة أعضاء , وقام مجلس القضاء الأعلى أوليا" بالتشاور مع المجالس القضائية للأقاليم بترشيح ما لا يقل عن ثمانية عشر إلى سبعة وعشرين فردا" لغرض ملئ الشواغر في المحكمة المذكورة ويقوم بالطريقة نفسها فيما بعد بترشيح ثلاثة أعضاء لكل شاغر لاحق يحصل بسبب الوفاة أو الاستقالة أو العزل , ويقوم مجلس الرئاسة بتعين أعضاء هذه المحكمة وتسمية أحدهم رئيسا" لها , وفي حالة رفض أي تعين يرشح مجلس القضاء الأعلى مجموعة جديدة من ثلاثة مرشحين ([30])

وبعد التشاور مع المجالس القضائية في كردستان , ومن خلال عملية اقتراع سري وحر , خضعت أسماء المرشحين للتمحيص من قبل مجلس الرئاسة استمر سبعة أشهر اختير بعدها رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا , حيث صدر المرسوم الجمهوري المرقم (398 والمؤرخ في 30 /3 / 2005) بالتعين , وبعد إجراء انتخابات الجمعية الوطنية وتشكيل الحكومة أعيد تعين رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا بالقرار الجمهوري المرقم (2 الصادر من هيئة الرئاسة في 1/ 6/ 2005) ([31])

ولعل هذه الطريقة بتعين رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا سوف تختلف عما ورد بقانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية وذلك أن دستور عام (2005) أسند إلى القانون اختيار أعضاء المحكمة بموافقة أغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب , والمحكمة لا تتكون من القضاة فقط بل أضاف الدستور إليها خبراء في الفقه الإسلامي وفقهاء القانون , كما نص على ذلك (( تتكون المحكمة الاتحادية العليا من عدد من القضاة وخبراء في الفقه الإسلامي وفقهاء القانون , يحدد عددهم وتنظيم طريقة اختيارهم وعمل المحكمة بقانون يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب )) ([32])

ولكل من هذه العناوين صفات تختلف فيما يؤديه من عمل :

فالقضاء: هي الجهة التي تختص بفض المنازعات بمقتضى القانون سواء أكانت هذه المنازعات واقعة بين الأفراد أو بين الأفراد والحكومة , والقضاء في اللغة بمعنى الحكم والإلزام ([33])

قال تعالى (( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ))([34])

ويذهب فقهاء الشريعة في تعريف القضاء مذهبين الأول يرى أن القضاء صفة حكمية في القاضي توجب لموصوفها نفوذ حكمه الشرعي . والثاني يرى أن القضاء هو فعل يصدر عن القاضي فهو فض الخصومات وقطع المنازعات على وجه مخصوص ([35])

أما في الاصطلاح فهو قول ملزم يصدر عن ولاية عامة وهو في حقيقة الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام ([36])

 

 

 

 

إن الغاية الأساسية للقضاء هي ضمان الحماية القانونية للناس كافة على سواء بينهم في ذلك ([37])

 

أما خبراء الفقه الإسلامي : فهم أهل العلم والفضل وتؤخذ مشورتهم فيما يعرض من نزاع ما لمعرفة ماهية الحكم الشرعي المناسب , وهذه المشورة أمر مطلوب في عمل القاضي .

أما الخبرة القانونية : فهي استشارة فنية يستعين بها القاضي للوصول إلى معرفة علمية أو فنية فيما يتعلق بالواقعة المعروضة أمامه تنير الطريق ليبني حكمه على أساس سليم ([38])

 

وجاء في قانون الإثبات رقم 107 لسنة 1979 المعدل (( تتناول الخبرة الأمور العلمية والفنية وغيرها من الأمور اللازمة للفصل في الدعوى دون المسائل القانونية )) ([39])

 

وتأسيسا على ذلك ذهبت المحكمة الاتحادية العليا في نظامها الداخلي على انه (( إذا اقتضى موضوع الدعوى الاستعانة برأي المستشارين لديها أو خبراء من خارجها فتقرر الاستعانة بهم ويكون رأيهم استشاريا" ))([40])

 

وفي خضم هذا الجدل بخصوص خبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون انقسم رجال القانون والمختصين إلى فريقين :

الفريق الأول : يرى أن عمل المحكمة الاتحادية العليا وسواها من المحاكم الدستورية في العالم هو عمل قضائي بحت ويستمد هذا المبدأ أساسه من الدستور ذاته كما جاء في المادة (92 / أولا) (( المحكمة الاتحادية العليا هيئة قضائية مستقلة ماليا" وإداريا" ))

 

ويعني ذلك أن تفسير نصوص الدستور تلك المهمة الشاقة التي تجعل من قرار التفسير قوة النص الدستوري , وهو أيضا" عمل قضائي , والفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات عمل قضائي , كما أن الاتهامات الموجهة إلى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء , عمل قضائي إضافة إلى جميع الصلاحيات التي خول فيها الدستور المحكمة الاتحادية العليا موضوع المادة 93 منه هي أعمال قضائية لا يمكن الفصل فيها إلا

من قبل قاضي مؤهل لهذا العمل , والمحكمة ينحصر عملها في تطبيق القانون وقول كلمة العدالة , ولما كان الأمر كذلك فليس لغير القضاة الصلاحية لممارسة عمل خارج عن اختصاصهم , وان الخبراء والحالة هذه غير مؤهلين من الوجهة المهنية للفصل في قضاء لان تأهيلهم انحصر في مجال الخبرة حصرا" .

إن الخبرة والخبراء وحسب المفهوم اللغوي والفقهي والقانوني هو عمل استشاري لا يتعدى المشورة مطلقا" وان القول بخلاف ذلك يخرج الخبرة عن وصفها القانوني , ومما لاشك فيه أن خبراء الفقه الإسلامي هم أعضاء في المحكمة الاتحادية العليا لان الدستور وضعهم موضع الخبير الذي ليس له سوى إبداء المشورة ([41])

أما الفريق الثاني: يرى عكس ما ذهب إلية الفريق الأول وسبب ذلك هو التخوف من الغموض الوارد في (م2 / أولا / أ) من الدستور التي جاء فيها (( لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام )) والبند (أولا / ب) من نفس المادة التي جاء فيها (( لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية ))

وهذين النصين يبدو للوهلة الأولى أن هناك تناقضا" بينهما , وفي تصورهم أن مبادئ الديمقراطية ليس لها محددات وبالتالي ستكون بحاجة ملحة أن تكون هناك جهة لتفسير تلك المحددات , وعلى ضوء ذلك يرى الفريق الثاني لابد من مشاركة خبراء الفقه الإسلامي في اتخاذ القرار مع الهيئة القضائية ([42])

 

ونرى أن التجربة الجديدة في العراق تثير المخاوف لدى البعض بضم خبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون إلى عضوية المحكمة واعتبرها البعض مخالفة لاستقلالية القضاء وتدخلا" في عمل السلطة القضائية , وعدم جواز زج خبراء الفقه الإسلامي في عضوية المحكمة باعتبار العضوية أمرا" محصورا" بالقضاة فقط , وهي نظرة لا تخلو من القصور فمفردات الدستور واضحة في المادة 2 منه مما لا شك فيه أن سن قانون يخالف هذه الثوابت هو قانون غير دستوري وهنا يبرز دور

خبراء الفقه الإسلامي ليبينوا أن هذا القانون يخالف أو لا يخالف ثوابت أحكام الإسلام , فمن المعلوم أن القضاة لا يملكون ما يملكه خبراء الفقه الإسلامي , كما أن خبراء الفقه الإسلامي لا يملكون ما يملكه القضاة في حسم الدعاوى القضائية , وعليه يكون التميز بين خبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون والقضاة , يحدده طبيعة الموضوع المراد حسمه أمام المحكمة , إذا كان الموضوع ذو طبيعة قضائية فان دور خبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون لا يتعدى المشورة فقط دون التصويت , أما إذا كان الموضوع ذو طبيعة غير قضائية يتعلق بالمادة 2 من الدستور والمصادقة على نتائج الانتخابات أرى من الضروري أن يكون لهم حق التصويت , وبهذا نخلص إلى التمييز بين ما هو من الاختصاصات الحصرية للقضاء الذي يكون البت فيه للقضاة حصرا" مع مشورة خبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون دون التصويت وذلك للتخلص من إشكالية الجدل الدائر حول خبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون . 

 

الفرع الثاني :

طرق ممارسة الرقابة الدستورية

    نتطرق إلى طرق ممارسة الرقابة على دستورية القوانين التي يتبعها التنظيم القضائي العراقي مثل ( المزج بين طريقتي الدفع الفرع والدعوى الأصلية , وفي طريقة الدعوى المباشرة )

أولا": المزج بين طريقتي الدفع الفرعي و الدعوى الأصلية

إن طرق الرقابة القضائية على دستورية القوانين في الدول أما أن تتم بطريقة الدفع الفرعي وهي رقابة الامتناع عن تطبيق القانون المخالف للدستور أو رقابة الدعوى المباشرة وتسمى أيضا" الدعوى الأصلية أو ( دعوى الإلغاء), أو بطريقة المزج بين الدعوى الأصلية المباشرة والدفع بعدم الدستورية ويتم الأسلوب الأخير بان يتقدم الأفراد بالطعن بعدم دستورية قانون ما أمام المحاكم , فان اقتنعت بجدية الطعن تقدمت به إلى المحكمة الدستورية 

وهذه الطريقة تفترض وجود دعوى يراد فيها تطبيق قانون معين فيدفع أحد الخصوم بعدم دستورية هذا القانون , وفي هذه الحالة لا تفصل المحكمة في صحة الدفع بل تؤجل النظر في الدعوى وتحيل الطعن في دستورية القانون إلى المحكمة الدستورية التي يكون لحكمها حجية مطلقة تجاه الكافة .

ويبدو أن الرقابة التي تمارسها المحكمة الاتحادية العليا في العراق    تتمثل أولا":  بأسلوب المزج بين طريقتي الدفع الفرعي والدعوى الأصلية ويتم الطعن في دستورية القوانين حسب هذا الطريق بأسلوبين :

1- أن يتم الطعن من خلال المحاكم بطلب من تلقاء نفسها أثناء نظرها دعوى ودون دفع من المتقاضيين  ويتضح هذا من نص المادة 3  من النظام الداخلي للمحكمة حيث ورد : (( إذا طلبت إحدى المحاكم من تلقاء نفسها أثناء نظرها دعوى البت في شرعية نص في قانون أو قرار تشريعي أو نظام أو تعليمات يتعلق بتلك الدعوى فترسل الطلب معللا" إلى المحكمة الاتحادية العليا للبت فيه ولا يخضع هذا الطلب إلى الرسم )) ([43])

 

وهذا النص أعطى للمحاكم على اختلاف درجاتها أثناء نظرها دعوى مدنية أو جزائية , عندما تجد أن النص القانوني أو القرار أو التعليمات أو النظام واجب التطبيق على وقائع الدعوى مخالف للدستور فلها أن تطلب من تلقاء نفسها البت في شرعية النص وترسل طلبا" معللا" إلى المحكمة الاتحادية العليا غير خاضع للرسم , وهنا فان محكمة الموضوع لا تلغي النص وإنما تحيله إلى المحكمة الاتحادية العليا التي تقوم بدورها التحقق من دستورية أو عدم دستورية النص المحال إليها من محكمة الموضوع , والإلغاء يكون من اختصاص المحكمة الاتحادية العليا دون غيرها .

 

ومن التطبيقات القضائية للمحكمة الاتحادية العليا على ضوء المادة 3 من النظام الداخلي للمحكمة في الدعوى : 10 / اتحادية / 2006 التاريخ : 29 / 5 / 2006 الخاص بطلب محكمة التمييز الاتحادية بمدى دستورية  نص المادة ( 20 / أولا – ثانيا ) من قانون التقاعد الموحد رقم 27 لسنة 2006 ولأهمية القرار ووقائعه ارتأينا ايرادة كاملا" :

( طلبت محكمة التمييز الاتحادية بموجب كتابها المرقم 52 / 53 / 71 / الهيئة العامة / 2006 والمؤرخ في 11 / 4 / 2006 النظر في دستورية نص المادة (20/ أولا – ثالثا ) من قانون التقاعد الموحد رقم 27 لسنة 2006 والبت في شرعيته والتي نصت على انه ( للمعترض وللمعترض عليه أن يميز قرار لجنة

 

تدقيق قضايا المتقاعدين لدى الهيئة العامة لمجلس شورى الدولة خلال ستين يوما من تاريخ تبليغه بقرار اللجنة المذكورة ويكون قرار الهيئة العامة الصادر بذلك قطعيا ) حيث ترى الهيئة العامة وبرأي أكثرية أعضائها بان النص المذكور غير دستوري للأسباب الواردة في قرارها المرقم 52 / الهيئة العامة / 2005 والمؤرخ في 29 / 3 / 2006 والمتض