مقالات

خالد الجادر.. الطائر المهاجر وصاحب التعبير الغنائي

 حسين الهلالي

huseinalhilaly@yahoo.com

خالد الجادر أحب وطنه العراق وأحب الناس بلا حدود أينما كانوا، أحب الإنسانية التي تتعاطف معه ومع وطنه بسخاء وبلا مكافأة، كان يقدم روحه ويفتح قلبه المعطوب لكل صديق تعاطف معه أو بادله الابتسامة.

خالد صاحب رسالة فنية، لذا يحق لنا أن نقول انه الإنسان الذي نذر نفسه الى هذه الرسالة التي تحمل رمزاً إنسانيا وبعدا فنيا عاليا في عمله الفني الذي يتصف بقدرته على التعبير تفوق التقنية الاعتيادية، كونه يملك لغة خاصة تتخطى هذه التقنية الفنية وتختزلها الى أفضل ما يراد للتعبير أن يفصح عنه. انه رسام يرسم كل ما تقع عليه عيناه، القرى في الجنوب والشمال، الصحراء والمياه، الإنسان اينما وجد ولكن بصورة غير تسجيلية ولا فوتوغرافية ولا مبهرجة الألوان، لا وأنما يبدأ من الداخل يغور في داخل الأشياء ويظهر بواطنها وايحاآتها وألوانها ودلالاتها وهذه هي العملية الأبداعية للفنان التي تتحدد رؤياه وهدفه وتخلق الأسلوب الذي يمثل الفنان نفسه.

وخالد فنان شرقي لا يمكن أن تتصف روحيته وتكوينه بصفات الفنان الغربي، انه يرسم الأشياء من الباطن ويتحد معها بروحه. يقول زكي نجيب محمود: (يخيل اليك الفنان إذا ما صور حصانا أو طائرا أو فراشة أو نهرا قد تحول هو نفسه الى هذه الأشياء التي يرسمها فهو لا يرسمها من ظواهرها كما تبدو لعين الإنسان المنتفع بها بل يتحد معها بروحه ليرسمها من الباطن، فينفذ الى صميم ما يتصدى لتصويره) وهكذا نجد خالد الجادر يدخل في معركة مع اللوحة ولا يخرج خاسرا أو يقف محايدا مطلقا وإنما يندمج روحيا مع اللوحة بكل ما تحمله الروح من صفات ويخرج الموضوع المطروح يحمل ميزات خاصة بالفنان الجادر ويبلور أسلوبه (التعبيرية الغنائية) ذات المضامين الواقعية المستندة على فكره ومعتقداته التي يؤمن بها بوضوح الرؤيا للشكل المشخص. لذا نراه يركز على الأنسان كونه عنصرا أساسيا في اللوحة ويجعل له رمزا تعويضا في الطبيعة ورغم تفاؤله فهناك هالة من الحزن والأسى تعلو وجهه لذلك نراه لا يستقر في مكان ولا يهدأ، يريد أن يبدد الحزن والأسى الداخلي، لذلك نراه يلجأ الى اللوحة المتسارعة ضرباتها اللونية الميالة بألوانها الى الرمادي والبني والأزرق ولون الفخار وهذان اللونان يخففان من غلواء لون البني والرمادي والتي هي في الحقيقة امتصاص لحزن وأسى خالد ولفترة ما. ويتحدث الجادر عن تجربته وموقفه من عصره ومجتمعه فيقول: (… أنني أحد شواهد العصر أراقب ما هو موجود حولي من طبيعة وشواهد كما أني كثير السفر وتستهويني المشاهد الريفية والآثار وقد نقلت الآثار المعروفة بشكل تعبيري وتأملي..حيث أتأمل الخط واللون والأنشاء التصويري أي أدخل الفكر الى المشهد أيضا …وأن لوحاتي لا تنتمي الى المدرسة الأنطباعية وإنما هي نظرة تعبيرية …أنها مدرسة خاصة فلي اسلوبي) ويقول كذلك: (يجب أن لا نفكر بأننا ننقل الموضوع، بل يجب أن نفكر بأننا نخلق الشكل، يجب دائما ملاحظة المجموع داخل الصورة وليس أجراء الموضوع متفرقة ولا التفاصيل). خالد يفتش عن ومضة الموضوع، (الثيمه) التي تولد الانبهار لدى المشاهد وبالحال تمتد الجسور بين اللوحة والمشاهد ويبدأ يفتش في هذا التكوين وفي المعالجة الجديدة، المتعلقة بأسلوب وفكرة الفنان والنتائج التي حصل عليها.

وعن ظاهرة اللون يذكر الجادر: (ليس غريبا أن يطغى لون من الألوان في فترة من الفترات على أعمال بعض الفنانين ويظهر هذا بالنسبة لي في الفترة الأخيرة). وعن هذا الموضوع يقول الفنان الراحل نزار سليم: (أن تكرار الألوان المنتقاة في مواضيع تباينية تصل عند خالد الى حد الموضوع والقوة والأمكانية من ريف لبنان الى زقاق المدينة المنورة وبرج الكنيسة وقلعة في نجد الى ساحل البلطيق..والألوان هي هي).

التخطيطات

التخطيطات بالحبر والقلم الرصاص هي نسيج شخصيته الفنية وعماد صدقه للوصول الى أسرع المواضيع التي تتميز بالحدث الدرامي تكون أمام عينيه وداخل فكرة يسجلها بعنفوانها ولحظة وجودها لتصبح لوحة مستقلة بذاتها او عمود نظري لمشروع لوحة، وكثير من هذه اللوحات تعبر عن المجتمع العراقي رسمت بالأسود والأبيض وأصبحت متفردة في موضوعاتها وذات تكوين يغري بتناغمه الموسيقي ورهافة خطه الخارجي الذي يجهز الحركة لتكون في خدمة الموضوع. خالد الفنان الذي جعل من التخطيطات أساسا في فن الرسم في العراق الى جانب الرسم بالألوان وأصبح أسلوبا يقترن بأسمه وبهذا أضاف قاعدة في التخطيط الى الفن العراقي والعربي هذا الفنان الذي تدفعه لواعجه بعدم الأستقرار في مكان واحد لذا تراه يفتش دوما عن بيئة جديدة في المملكة العربية السعودية تتفجر أحساسيته أكثر فأكثر وتغريه الصحراء والامتدادات والقلاع الأثرية والمواضيع الشعبية والأسواق.

…في عام 1969 تصلني بطاقة دعوة متأخرة منه وأنا في مدينة (الزلفي) هذه الواحة الجميلة الهاجعة في وادي بين الصحراء النفوذ الكبرى وهضبة جبلية واطئة تسمى (جبل طويق) وتتملكني الدهشة الممزوجة بالفرح بهذا الحدث لأن أخبار الدكتور خالد انقطعت عني منذ أن كنا في العراق، وبطاقة الدعوة عبارة عن اعلان مصمم بشكل جذاب. مكتوب عليه

(جامعة الرياض / جمعية اللهجات والتراث الشعبي / معرض الدكتور خالد الجادر) ولقد كتبت الصحف عن هذا المعرض بإسهاب.

يقول الدكتور عبد العزيز الخويطر: (حتى هذا اليوم كانت الجامعة ينقصها شيء مهم وهو ركن الفن الذي بدونه لا تكون الجامعة كاملة فجاء معرض الجادر ساداً لهذه الثغرة فكان لبنة ممتازة في بناء نبيل كونه يمثل جانباً من الحياة الشعبية يضيف الى الإعتقاد بأن هذه الخطوة موفقة)).

وسجل أيضاً الدكتور أحمد النصيب رئيس جمعية اللهجات والتراث الشعبي في سجل المعرض قائلاً: (ان صلة الفن الشعبي بالفن المعاصر وطيدة. فإن الإهتمام بالفن الشعبي وبلورته وتطويره يساعد على خلق فن معاصر يحمل عادات وتقاليد وتراث المجتمع مما يؤدي الى خلق فن متميز يحمل شخصية المجتمع السعودي).

ويقول الفنان شاكر حسن آل سعيد عن هذا المعرض: (من الناحية الأدائية خالد تجربة عمره الفني كأستاذ بارع في وضع السطوح اللونية وواقعيته في ذلك تستند على تجاربه الأولى منذ أربعينيات هذا القرن (العشرين) فهو الى جانب تمسكه بأميته التقنية كمهاره لـ(فنان أكاديمي) يحتفظ بمنشورة اللوني، وهو يمثل هذا الاحتفاظ يظل مخلصا الى تربة حضارته حضارة الرافدين القديمة والإسلامية حيث الألوان نصف البراقة من فضل الشمس البراقة) وفي مفس المقال يستطرد آل سعيد ((مواضيع القلاع التي تشمخ في الفضاء والبيوت القديمة والقرى وبائعات التوابل والبدويات في الخيام. كانت هذه موضوعات خالد في معرضه بجامعة الرياض /1969 ويجول الجادر وسط هذا بين عالمين الواقع المحسوس وعالم الفكر الذي يدركه بذكائه إذ كان يحاول التقرب للواقع بالذهن والشوق معاً)) لقد أرضى هذا المعرض طموح خالد من حيث البيئة والمناخ لأنه دائم البحث عن بيئة جديدة وعالم جديد يتطابق مع فكره وهدفه. والبيئة السعودية كان يتوق للوصول إليها، لذا نراه يشاهد الصحراء بتأمل والأسواق الشعبية والمحلات التراثية وأستطاع أن يرسمها ويتعاطف معها، وكنا نرسم نحن نرسم هذه الأجواء في لوحاتنا بعيدا عنه وخاصة (صحراء النفوذ الكبرى) وأنتشار خيام الأعراب فيها وكان حصيلة وكان حصيلة ذلك معرض قدمته في السنة الثانية في مدينة

(الخبر) على قاعة الخطوط الجوية الفرنسية وكان ظاهرة فنية تحسسها الجمهور السعودي والأجنبي. عدت الى أرض الوطن عام /1970 وعاد الدكتور خالد الجادر بنفس من التاريخ وبدأت أعد لمعرضي الخامس وأقمته على صالة المعهد الثقافي الفرنسي ببغداد عام /1972 وكان الدكتور الجادر من ضمن الحاضرين وكنت ضيفه في تلك الليلة التي تضمنت كل من الفنان الراحل قتيبة الشيخ نوري والشاعر الراحل بلند الحيدري، وكان الحديث منصبا على الأزمة القلبية التي حدثت له وكان قلقا بعض الشيء، قلت له: لماذا هذا القلق يا دكتور الأزمة أصبح لا وجود لها بفض الله سبحانه وتعالى فرد خالد: (لا تهمني هذه الأزمة والإنسان معرض لذلك ولا بد من نهاية ومصائر البشر بيد الله ولكم أنا صاحب رسالة فنية وأحمل هم هذه الرسالة التي أوصلت البعض منها هنا وهناك في الغرب والشرق في برلين وباريس وفي بلدي العراق وفي البلاد العربية وفي السعودية بالذات وأخشى من هذا القلب أن يتوقف وأنا بعد لم أكمل هذه الرسالة) من هذا أدركت بأن الفنان خالد لا يمكن أن يستكين ولا يثنيه عن عزمه هذا القلب العليل ويقعده. فتمرد عليه وبدأ كطائر مهاجر يكمل دورته في الأماكن والأجواء التي تناسبه في المغرب وفي بلدان أخرى وفي السعودية التي أعتاد أن يزورها ويبقى فيها فترة من الزمن لكنه هذه المرة يأتيها محمولا يعاني من أزمته القلبية وأجريت له عملية جراحية في المستشفى العسكري في الرياض. وتوفي في يوم الجمعة 2/2/1988 ونقل جثمانه الى بغداد يوم الثلاثاء 6/12/1988 ودفن في مقبرة العائلة في مرقد الأمام الغزالي، بعد أن أعطى للرسم العراقي وترك بصماته هنا وهناك في الوطن العربي وفي المغرب والعربية السعودية ولبنان وكل الأماكن التي عاش فيها أو عرض لوحاته في صالاتها. لقد أمتد كفاحه قرابة النصف قرن من الزمن ونذر نفسه لخدمة وطنه العراق ووطنه العربي الكبير والإنسانية مبدعا ومخلصا لفنه.

المغرب:- هي المحطة الأخرى التي تستهوي هذا الطائر المهاجر، إنها الغربة مرة أخرى فهل أستمتع هذا الطائر بالأجواء التي وجدها في المغرب في البلد الشقيق العريق بحضارته؟ ! المغرب بمثقفيها ومبدعيها التشكيليين والمسرحيين، أمثال الطيب الصديق وأحمد الطيب و عبد القادر البدوي وعبد الكريم برشيد، وفولكلورها الموسيقى والغنائي الجماعي المتحرك في المهرجانات والاحتفالات الكبرى التي تعبر تعبيرا صادقا عن روح الجماعة، في الحكاية وفي عاداتها وتقاليدها العربية وبناياتها وطرزها القديمة التي تحكي أشراقة الغرب في هذه البلاد، كل هذا الزاد الثقافي المغربي قد أيقظ كل الكوامن الإبداعية في مخيلة وأحاسيس خالد الجادر ونهل من ينابيع هذا التراث الحي وأخرج منه كنوزا من اللوحات الزيتية والتخطيطات وأصبحت مصدر غني يضاف الى تراث المغربي.

….تقول مجلة أقرأ التي تصدر في الرباط (أنه أي الجادر رسم ما يقارب خمسمائة لوحة أثناء أقامته في المغرب خلال سنوات ثلاث، وذكرت عن معرضه الأخير في الرباط: أن هذا المعرض أستقطب جمهورا غفيرا يلفت الانتباه). عندما حط الرحال في هذا البلد كان ملفت للنظر واصبح محط أنظار مثقفي المغرب وفنانيها، هذا الرجل المتحرك المبتسم دوما الفاتح ذراعيه للقادمين، الكريم في بيته وأخلاقه اصبح بيته في المغرب منتدى لهؤلاء الفنانين والمثقفين، وحالا زينت جدرانه بلوحات رسمها عن المغرب وبدأ يخطط لمعارض في هذا البلد. وتحقق له ما أراد وأقام معرضه في الرباط وعرفه الجمهور المغربي أكثر فأكثر وأصبح يمثل وطنه عن طريق نفسه، وقد تأثر خالد كثيرا بهذه الحفاوة والعواطف الجياشة وهذا الحب الصادق الذي غمره به أصدقائه وإخوانه المغاربة، ولن يغفل عن ذلك حيث ترجم هذا الحب في لوحاته عن الشعب المغربي واعطاها بعدا خاصا، هو ثنائه وتقديره وشكره لمن أحبه، رسم الأشخاص بأصالتهم والأسواق التي تعج بالأشياء التراثية والبنايات التي تحكي عن فن الريازة العربية والإسلامية، رسم الحياة كلها في المغرب وهو فرج بذلك وكان حصيلة ذلك معرضه الكبير في الرباط الذي تحدث عنه عدد كبير من مثقفي المغرب.
–يذكر الدكتور سعيد بليشير: (يظهر الالتزام الفني والاجتماعي للفنان في فنه التشخيصي يعبر بألوان زاهية ومتناسقة وبدقة الفنان الماهر عن مظاهر المجتمع المغربي في حياته اليومية وفي معماره) قالت سيدة مغربية في معرض حديثها عن الجادر أثناء إقامة معرضه: [ أن الإعجاب لا يمكن أن نعبر عنه بكلمات أحيانا نطلع على رأي المجموعات من طلبة الصفوف الخامسة للفن التشكيلي وهن يعلن (لقد راق لنا معرضك بلوحاته الفنية الرائعة التي أثارت إعجابنا كثيرا)]. وقال عنه الدكتور عبد الله عبد الحميد الأستاذ بكلية الآداب بالدار البيضاء ((لقد انبهرت بالمعرض الذي كان مفاجأة في كل شيء حيث يتجلى الإبداع الرائع في كل ضربة فرشاة، لقد أبدعت الصور الفنية ريشة فنان بارع)) ويقول الأستاذ احمد با حسين المستشار في وزارة الشؤون الخارجية المغربية: (لقد سعدت جدا لزيارة المعرض الذي أعطاه الفنان خالد الجادر طابع البيئة المغربية التي يعيشها الآن في وطنه الثاني المغرب) وتمضى المجلة قائلة رأيا للمثقف المغربي المعروف (معطف القصرى): ((شكرا للأخ خالد على معرضه الذي جعلنا نتحرر من طغيان كثير من وجوه الفن التجريدي واعتداء سلطانه السياسي علينا وإرهابه لمدة أكثر من ربه قرن من الزمان)) عن هذا يكتب خالد في رسالة موجهة الى صديقه عبد الحميد لطفي في 17/6/1984: " الحركة الفنية هنا جيدة ولكنها تلهث وراء ما أستجد في أوربا من نزعات منذ بداية القرن ولقد بالغ بعض الفنانين في الحداثة الى حد الأغتباط والعبث ويعود ذلك الى جهل هذا البعض بالقواعد الاساسية الواجب على الفنان كل فنان أديبا أم شاعرا أو موسيقيا أن يتلقاها في مطلع وبواكير أيام التلقي للتعرض على ما أنتجه من سبقه من الأساطين."

عالم خالد الاجتماعي واسع وهو أمين على هذا الواقع وحريص بأن يعطيه الميزات الخاصة به لذا وجد فيه مدخلا ومتسعا لأفكاره ولعواطفه وأحاسيسه لهذا ترى مواضيعه سواء كانت في المدينة أو القرية تنبض بالحياة والأمل، لقد كرس حياته للإبداع في فنه وللثقافة عامة، ونجده في سفر ألوانه لا يخطأ ولا يترك رمزه اللوني أن يرتبك أو يتعثر كونه مستمد من حضارة بلاده، ويبقى سفره اللوني ضمن هذا الخزين الموروث الخالد الذي لا ينضب. ففي كل معارضه وخاصة معرضه في الرباط كان التخطيط السمة الواضحة التي جمعت خيوط التراث في المغرب لديه ليكوم على وعي ودراية في كل مشروع فني يقدم عليه فهو راصد عجيب لحركة الحياة عن طريق الفن وبالذات تخطيطاته السريعة والمتأنية لتراث المغرب. لقد كرس حياته كلها للفن وهذه هي سمعة الرواد التي تشعره بأنه صاحب قضية وقيادة وريادة فنية ومسؤولية أمام الأجيال اللاحقة لذا أصبح من أكثر المؤسسين للرؤيا والإبداع في عالم الجمال وفي خصوصياته التي ترك بصماتها هنا وهناك في وطنه العراق الذي أحبه وفي السعودية والمغرب والجزائر وفي باريس ولبنان وألمانيا وكل البلدان التي حط الرجال بها سواء كان في معارضه الفنية أو محاضراته عن الفن. لأول وهلة ترى التبسيط في لوحات خالد الجادر ولكن عندما تطيل التأمل فيها ترى الوفرة في اللون ضمن مساحة ضربات الفرشاة المطروحة على القماش والاستخدام الأفضل والمدروس للون، يوصلك الى الدلالة والكشف عن مساراته الروحية والنفسية والفكرية، فالتبسيط هنا طرح كل الأشياء الطفيلية التي تعيق الاختيار للطبيعة التي يرسمها بحيث يجعلها قريبة من صفاتها الجمالية المثلى التي تقترب من حس المشاهد وتجعله منحازا لها انحيازا يقترب من الأنبهار، وهذه صفة من صفات الإبداع والمبدع كذلك يبتعد بأعماله عن كل شيء مجتر أو معاد أو سلفي. أن خطوط الجادر المتراقصة على نغم وعذوبة اللون في اللوحة تستوقف المشاهد وتطرح الخطاب الجمالي ليكون على بينة ودراية من هدف الفنان وأسلوبه، ولن يأتي هذا الأسلوب اعتباطا لا وأنما جاء من تأملاته النظرية ودراسة للتاريخ والذي وظف ذلك في أعماله الفنية، لذلك ترى النتائج مكتملة وواضحة. لقد اعطته الطبيعة مديات واسعة للسياحة اللونية وجعلها مسألة تعويضية عن كل شيء عن الأنسان وعن الكائنات الحية في الطبيعة. أذن هي رمزا تعويضيا عن ذلك ولن يكون هناك تعقيد في مسارات اللوحة ولا جمود بل تلقائية غنائية نسيجها الخط وقوة التعبير.

يقول جبرا ابراهيم جبرا:

(وأذا راح الفنانون يبحثون عن أسلوب يصلهم من ناحية بأرضهم وترابهم ويصلهم في الوقت نفسه بالأساليب المتطورة في العالم، أنصرف خالد الجادر الى بحثه بتكنيك انطباعي يستخدمه في تصوير واقع الناس وواقع الطبيعة لا سيما في الريف، ضربات فرشاة كبيرة وألوان يغلب عليها الأزرق والرمادي يحاول بها النزول بالمرئيات الفسيحة الى خلاصتها الأخيرة المعبرة عن مشاهد فسيحة وهو يراها في حركة يرفض أن يقولها في تكوين معين غير الذي تنتهي اليه سيولة الحركة نفسها في رسومات تلقائية نادرا ما نراه في أعمال الآخرين الذين يورثون سيطرة الشكل المدروس وتبدو هذه التلقائية على اجملها في تخطيطاته السوداء الجياشة بخطوطها العريضة) ويقول خالد في مقابلة في أذاعة بغداد:

((اذا كان الفن كما الحب وسيطا بين الانسان وكل الأشياء والتاريخ فهل استطاع الفنان التشكيلي العراقي عبر تلك الرؤيا وعبر تعامله المتواصل مع اللون جعل اللون مواكبا التحولات الجديدة وعلى مختلف الأصعدة التي يشهدها بلدنا الحبيب …ويضيف الجادر: حينما أبسط رؤيا للشكل ويتعاقب ذلك التبسيط بحيث يفقد الجوهر ارتباطه فليس عندي من حل جمالي يفيض الوحدة في عملي غير المفردات التجريدية فهي خير عون لأسداء المعاونة الخيالية في إيصال نقاط الضعف بعضها على أن يكون ذلك بغير اعتباط بالنسبة للوقع والتلاصق الموسيقى للصورة))

ويقول خالد الجادر عن أعماله: (يجب أن لا نكرر بأننا ننقل الموضوع، بل يجب أن نكرر بأننا نخلق الشكل، يجب دائما ملاحظة المجموع داخل الصورة وليس أجزاء الموضوع متفرقة ولا التفاصيل)، تكرار الالوان المنتقاة في مواضيع متباينة تصل عند خالد الى حد الوضوح والقوة الامكانية وأن مزايا هذا الواقع الحيوي الذي يساهم الفنان خالد في صنعه تتجلى ضمن الإطار الزمني للمساحة اللونية، فهي ليست مجرد حقيقة علمية – بصرية أو بسيكولوجية – إنسانية. أن معاناة خالد ولو أعجت ليست فردية ولا تتحكم فيها النزوات الخاصة ولا المزاج الذي يطرأ على الفنان، أبدا لم يكن كذلك، فخالد الإنسان ظل وفيا للإنسان ومعاناته هي معاناة الناس جميعا وهو باستمرار مواكب لهذه المعاناة وفي وسط احداقها وهي حالة ريادية ورمزا ذو فرادة. وللتعبير عن هذه الحالة يقول خالد: ((أن الفن ومنذ وقت طويل كان لصيقا بالأزمات الإنسانية الذاتية والاجتماعية والرسم عموما فن مازال غير سهل التصميم …باعتبارات الفنون مازالت في هذه المجتمعات لصيقة بمبادرات الفرد والتجمعات)) وفي حوار له مع الشاعر الراحل بلند الحيدري يقول [ وباختلاف اللغات بين الشاعر والرسام فعلى الأخير منها أن يعي أدواته وعيا اجتماعيا بحيث تبقى الصورة عطاء ايجاريا لا تفسيرا من خلال نضج الناظر اليها، عليه أن يتم التجربة بينة وبين المتفرج لأدراك المعاني المنطوية عليها الصورة والتي تشير اليها بطرف خفي.. وإلا سقطت الصورة في الشكلية الأعلانية السمجة بوضوحها وبروز الهدف منها بشكل يحيد بها عن مفهوم الفن ]

---إذن من هو هذا الفنان المثابر الذي لم يهدأ حتى خر صريعا وهو في ذروة تألقه الفني.
يكتب محمد الجزائري: (خالد الجادر مثل المبدعين الذين أحبهم وأحبوه …رحل في كانون الأول كأنه يبكر في توديع العالم، في الشهر الأخير من السنة.

في 24/ كانون الأول رحل بدر شاكر السياب عام 1964

في 22/ كانون الأول رحل كاظم حيدر عام 1985

في 20 / كانون الأول رحل خالد الجادر عام 1988

هل هي مصادفة ؟ أن يلتحق خالد الجادر بركب المبدعين في مطلع كانون الأول من عام 1988 ؟ هذه المره لم يسعفه قلبه رغم كل التقنيات الموجودة في المستشفى السعودي وعاد الى عراقه محمولا على أكتاف أحبته وليستق في أبديته الى جوار الغزالي.

ولد في عام 1924 ورغم دخوله كلية الحقوق وتخرجه منها، وتأسيسه رابطة الحقوق للرسم عام 1946 كان الفن هاجسه حيث درس وتخرج من معهد الفنون الجميلة ببغداد ليوفد الى باريس فينال المدالية الذهبية مرتين في الرسم ولينتخب عضوا في صالون باريس ثم يحصل على الدكتوراه في الآداب (تاريخ الفن الاسلامي) بدرجة شرف بعد عودة الى بغداد قام بتدريس الرسم وتاريخ الفن في جامعة بغداد ثم عين عميداً لمعهد الفنون الجميلة بعدها عميداً لأكاديمية الفنون الجميلة عند تأسيسها وشغل رئاسة اللجنة الوطنية للفنون التشكيلية التابعة لليونسكو وعضو اللجنة الثقافية العليا ورئاسة جمعية الفنانين العراقيين ومن ثم أميناً لسر الاتحاد العام للفنانين التشكيليين العرب.

---أول معارضه الشخصية بغداد 1955

---برلين عام 1955 / 1957

--- براغ عام 1960 / 1968

---بوخاريست – الدنمارك – السعودية عام 1973

---برلين عام 1977

وله معارض في المغرب.

وهناك مزية تجلت في أعماله منذ السبعينات وهي الغاء التسطيح، جمع المستويين العمودي والأفقي في منظور جديد، البعيد لا يختفي بل يتجلى، وكأنه في مقدمة اللوحة الغاء حجاب القريب للبعيد.

 

المصادر

01خالد الجادر / راحل لم يرحل د. وليد الجادر بغداد / وزارة الثقافة والإعلام

02مجلة الرواق / وزارة الثقافة والفنون / بغداد

03البيانات الفنية في العراق / شاكر حسن آل سعيد / وزارة الاعلام / مديرية الفنون العامة

04الموسوعة الصغيرة العدد/43 / المصادر الأساسية للفنان التشكيلي المعاصر في العراق / عادل كامل

05 التراث الشعبي العدد/10/1977

 

 

 

Google


 في بنت الرافدينفي الويب


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

© حقوق الطبع والنشر محفوظة لموقع بنت الرافدين
Copyright © 2000 bentalrafedain web site. All rights reserved.
 info@bentalrafedain.com